فهرس الكتاب
واليهود على هدى من ربِّهم، حتَّى يقيموا أحكام شريعتهم كما أُنزلت إليهم، لأنها شُرعت لهم من قِبَل خالقهم، والكلُّ أمامه مسؤول عنها. وتتكامل سلسلة الرسالات السماوية بالحلقة الأخيرة منها، فينزل القرآن على النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم، الَّذي جاء ليدعو إلى الإسلام، في صورته التامَّة الكاملة، ليكون للبشرية دين إلهي واحد متكامل، وليس مجموعة أديان، وهذا ما أكَّده الله بقوله: {شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهيمَ وَموسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... } (42 الشورى آية 13) . وهكذا تظهر لنا حقيقة التلاحم والتواصل القائمَين بين رسالة الإسلام، وما سبقها من الرسالات السماوية، بما يشير إلى أنها واحدة يتمِّم بعضها بعضًا بتناسق وانسجام، فلا تعارض ولا تناقض من حيث الجوهر والأصل. فالرسالات السماوية شجرة مثمرة معطاء، تفيَّأ في ظلالها وأكل من ثمارها، كلُّ من استسلم لأوامر الله تعالى؛ وبهذا يكون جميع الأتباع المخلصين للشرائع السماوية في الحقيقة مسلمين، لأن كلمة الإسلام أصلًا كلمة عامَّة شاملة، واحدة من حيث المعنى، إلا أنها ذات مدلولات عدَّة؛ فهي لا تنحصر في تسمية الشريعة الإسلامية وحدها، بل تتَّسع لتشمل كلَّ من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وسلَّم إرادته وجوارحه لهذا الإيمان واستسلم لأوامر الله وتعاليمه. ولهذا فإن كلمة المسلمين تُطلَق اليوم على أتباع الشريعة الإسلامية بوصفهم آمنوا باليهودية السليمة، وبالمسيحية القويمة، وبالإسلام الحنيف، وبجميع الرسل والكتب السماوية المتعلِّقة بهذه الرسالات.
وفي مواضع كثيرة من القرآن الكريم نجد، بأن الله تعالى وصف إيمان الأنبياء عليهم السَّلام وإيمان أقوامهم به بأنه الإسلام، كما جاء على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام: {وإذ يرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيتِ وإسماعيلُ ربَّنا تَقبَّل منَّا إنَّك أنت السَّميع العليم * ربَّنا واجعلنا مُسْلِمَينِ لك ومن ذرِّيَّتنا أمَّةً مسلمةً لك وأرنا مَناسِكَنا وتُبْ علينا إنَّك أنت التَّوَّابُ الرَّحيم} (2 البقرة آية 127 ـ 128) ، وفي موضع آخر: {ووصَّى بها إبراهيمُ بنِيهِ ويعقوبُ يابَنِيَّ إنَّ الله اصطفى لكم الدِّينَ فلا تَموتُنَّ إلاَّ وأنتُم مُسلمون * أم كنتم شهداءَ إذ حَضَرَ يعقوبَ الموتُ إذ قال لبَنِيهِ ما تعبدون من بعدي قالوا نعبدُ إلهكَ وإله آبائِكَ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون} (2 البقرة آية 132 ـ 133) ، وكما جاء على لسان يوسف عليه السَّلام: {ربِّ قد آتيتني من المُلْكِ وعلَّمتني من تأويلِ الأحاديثِ فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ أنت وليِّي في الدُّنيا والآخرة تَوَفَّني مُسلمًا وألحقني بالصَّالحينَ} (12 يوسف آية 101) ، وكما جاء على لسان موسى عليه السَّلام: {وقال موسى ياقومِ إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكَّلوا إن كنتم مسلمين} (10 يونس آية 84) ، وجاء على لسان يونس عليه السَّلام: {فإن تولَّيتُم فما سألتُكُم من أجرٍ إن أجري إلاَّ على الله وأُمِرتُ أن أكونَ من المسلمين} (10 يونس آية 72) ، وفي سورة أخرى يقول تعالى عن حواريِّي المسيح عليه السَّلام: {وإذ أوحيتُ إلى الحَواريينَ أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنَّا واشهدْ بأنَّنا مسلمون} (5 المائدة آية 111) ، ومن ثمَّ فقد أطلقها الله في كتابه، وجعلها نعتًا لكلِّ إنسان صالح ومصلح