فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 400

وشاكر لأنعم الله عليه: {ووصَّينا الإنسانَ بوالديهِ إحسانًا حَمَلتهُ أمُّه كُرْهًا ووضعَتهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصَالهُ ثلاثونَ شهرًا حتَّى إذا بَلغَ أَشُدَّه وبَلغَ أربعينَ سنةً قال ربِّ أوزعني أن أشكرَ نِعمتَكَ الَّتي أَنعمتَ عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحًا ترضاهُ وأَصْلِحْ لي في ذرِّيَّتي إنِّي تُبْتُ إليك وإنِّي من المسلمين} (46 الأحقاف آية 15) .

وقد أعلن صلى الله عليه وسلم بأنه لم يكن بِدْعًا من الرسل، بل إنه فرد من أفراد عائلتهم، وأخ من إخوتهم، وعبَّر عن هذه الرابطة الَّتي تربط بينهم بقوله: «الأنبياء إخوة أبناء عَلاَّت شرائعهم شتَّى ودينهم واحد» (رواه الشيخان وأبو داود) (أبناء علات: أولاد الرجل الواحد من زوجات شتى) . كما أوضح دوره المكمِّل والمتمِّم لما جاء في رسالات أولئك الرسل، فضرب لذلك مثلًا جليًّا وبيِّنًا فقال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هَلاَّ وُضعت هذه اللَّبِنَة؟! قال: فأنا اللَّبِنَة، وأنا خاتم النبيين» (أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه) .

وقد جمع الإسلام بين ماديَّة اليهودية وروحانيَّة المسيحية، فكان واقعيًا منطقيًا، زاوج بين المادَّة والروح وأعطى كُلًا منهما حقَّه، ففي القرآن شريعة الإسلام وقانونه، الَّذي أنزله الله بالحقِّ، يتمثَّل ذلك في كلِّ ما يعرضه من شؤون العقيدة والعبادة، وفي كلِّ ما يقُصُّه من الأخبار، وما يحمله من التوجيهات، إضافة إلى أنه مصدِّق للكتب الَّتي جاءت من قبله، وفي هذا دحض لافتراءات المغرضين الَّذين كذَّبوا به، أو حاولوا أن ينسبوه إلى غير مصدره الأصلي.

وهكذا فإن فيض السماء واحد في كلِّ زمان ومكان، وهو يترعرع وينمو حين يصادف قلوب المتَّقين الَّذين صُقلت نفوسهم، وهذِّبت نواياهم وشحذت هممهم للتسابق نحو الخير، فأثمرت المعرفة في قلوبهم، وتفجَّرت ينابيع الحكمة من حنايا عقولهم، فتقبَّلوا ما جاء به الأنبياء، وإن خالف أهواءهم، لأنهم في الأصل جعلوا أهواءهم تبعًا لما يحبُّ خالقهم، فلا تمرُّد ولا عصيان، بل قبول وإذعان. ولو شاء الله لجعل الناس أمَّة واحدة متجانسة تدين بشريعة واحدة، وتخضع لمنهج واحد، ولكنه جعل لكلٍّ طريقًا ومنهاجًا، وأخضعهم لابتلاء واختبار فيما آتاهم من الدِّين، وترك لهم حرية الاختيار تكريمًا لهم. ونظرًا لما زوَّدهم به من عقل مفكر وإرادة حرة، فهم أحرار فيما يختارون، لكنَّه حثَّهم على التسابق في أعمال الخير والبناء الأخلاقي والعلمي، ودعاهم إلى الألفة والوحدة فيما بينهم، باجتماعهم على كلمة سواء هي كلمة التَّوحيد، قال تعالى: {قُل ياأهلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إلى كلمَةٍ سَواءِ بيننا وبَينَكُم ألاَّ نَعبُدَ إلاَّ الله ولا نُشرِكَ به شَيئًا ولا يَتَّخِذَ بعضُنا بعضًا أربَابًا من دُونِ الله فإِن تَوَلَّوا فقولُوا اشهَدُوا بأنَّا مُسلِمُونَ} (3 آل عمران آية 64) وهي كلمة عادلة منصفة لا غلبة فيها لفريق على آخر، وتتضمَّن الإقرار بأن لا إله إلا الله، وبأنه المتفرِّد بالألوهية فليس له شريك، وتحثُّ الناس على ألا يتَّخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، وألا يُؤَلِّهوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت