فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 400

أنبياءهم ورسلهم، فكلُّ الأنبياء عبيد الله، اصطفاهم للدعوة إلى عبادته لا لمشاركته في ألوهيَّته. فلا يستحقُّ العبادة أحد غيره سبحانه وتعالى، لأنها التسليم المطلق لأمره، والانقياد التامُّ لشرعه، فهي التعبير العملي عن حقيقة العقيدة، فكما أنه لا فائدة من شجرة لا تثمر، فكذلك لا فائدة من قولٍ لا يخترق حجب النفس ولا يؤثِّر فيها، فيجعلها تنقاد وتذعن لحضرة الله تعالى.

فمن يرفض هذه الدعوة الَّتي اتفقت عليها الكتب والرسل، وهي دعوة التَّوحيد، ويأبى ذلك عنادًا وإصرارًا، فما على المؤمنين إلا أن يقولوا له ولأمثاله: [اشهدوا بأننا موحِّدون، مسلمون ومسالمون، مقرُّون لله بالوحدانية، مستسلمون لأوامره] وأن يَدْعُوا الله تعالى من أعماق قلوبهم، لكي تجمعَهُم باقة الإيمان بِوَردها وزهرها، وتضمَّهم إلى قافلة الموحِّدين لله، السائرين على نهجه القويم، ويعيشون إخوة في الإيمان بالله الواحد الأحد، الَّذي قال في محكم آياته: {وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى * وأنَّ سَعْيَهُ سوف يُرى * ثمَّ يُجْزاهُ الجزاءَ الأوفى * وأنَّ إلى ربِّك المُنتهى} (53 النجم آية 39 ـ 42) .

وممَّا تقدَّم يمكننا أن نستنتج:

1 ـ أن الرسالات السماوية سلسلة واحدة يتمِّم بعضها بعضًا، وترتبط شرائعها بشكل حلقات متسلسلة. لذلك لا يغني السابق منها عن اللاحق، لأن اللاحق تضمَّن السابق وزاد عليه، بالإضافة إلى نفي الدخيل عليه والمحرَّف منه، ولهذا نجد القرآن الكريم، وهو آخر الكتب المنزلة، تضمَّن كلًا من التوراة والإنجيل، قال تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحقِّ مُصدِّقًا لما بين يديهِ من الكتابِ ومُهيمنًا عليه .. } (5 المائدة آية 48) . وليس للإنسان إلا اختيار اللاحق لأنه جمع محاسن السابق كلَّها، وبذا يكون متَّبع اللاحق متَّبعًا للسابق المهذَّب، فدين الله واحد، مهما اختلفت الأسماء، لأن مصدره واحد.

2 ـ إن محور الشرائع السماوية كلِّها هو إخلاص العبوديَّة لله، والتَّوحيد هو العروة الوثقى الَّتي تربط بينها جميعًا، وتوحِّد سائر المؤمنين ضدَّ الجهل والكفر والإلحاد.

3 ـ إن القرآن الكريم يوجِّه دعوةً للناس جميعًا إلى عقيدة واحدة، اتفق عليها كلُّ الرسل وجميع الأنبياء، وهي ألا يخضعوا إلا للإله الواحد الَّذي له وحده السلطة المطلقة في التشريع وبيان الحلال والحرام، وبالتالي إلى رفض الوساطة البشرية، الَّتي تلعب دور الربوبيَّة ابتغاء السيطرة والتسلُّط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت