فهرس الكتاب
كما هو شأن البذرة في الأرض، تنمو وتكبر بالرعاية والسقاية، إلى أن تصبح نبتة تورق وتزهر، ومن ثمَّ تثمر ثمرة يلذُّ طعمها للآكلين، فكذلك هو شأن بذرة الدِّين، بدأت في طورها الأوَّل بالفطرة الَّتي غرسها الله تعالى في قلب الإنسان عندما خلق آدم، ثمَّ راح يغذِّيها ويرويها شيئًا فشيئًا، بالتعاليم الواردة بالصحف والكتب، الَّتي أنزلها على أنبيائه ورسله، فراحت أمور الشريعة وما فيها من أوامر ونواهٍ، تتبلور وتتطوَّر من عصر إلى آخر، مع تطوُّر احتياجات الإنسان إليها، إلى أن أخذت شكلها النهائي في الإسلام، الَّذي هو خاتم الشرائع، والمنزَّل على خاتم الأنبياء.
وهذه الآيات، كغيرها من الآيات الأخرى، تقرِّر عقيدة التَّوحيد ووحدة الدِّين؛ الَّذي تضمَّنته الكتب السماوية والمنزلة من عند الله تعالى. وهي تتلخَّص بالتسليم بوحدانية الله، والتوجُّه الخالص له وحده بالعبودية، والاستعانة به، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ممَّا يقوِّم سلوك الإنسان، ويصحِّح مضمون عقيدته واتجاهه، فيدفع بذلك عن نفسه ما قد يعتريها من أوهام وتصوُّرات خاطئة تمسُّ عقيدته.
فالله جلَّ وعلا واحد لا شريك له، حيٌّ خالد، أزليٌّ قديم، ليس له بداية وليس له نهاية، وجوده مطلق لا يحدُّه زمان ولا مكان، منزَّهٌ عن كلِّ ما لا يليق به، وليس كمثله شيء. وهو القيُّوم المهيمن على ما خلق في الوجود من عوالم وخلائق وموجودات، قائم بتدبير أمورها، وتصريف شؤونها على الوجه الَّذي ارتضاه لها. وهذه الحقيقة الناصعة الواضحة الَّتي أعلنها الإسلام؛ ومن قبله الشرائع السماوية كافَّة؛ كانت القول الفصل في مسألة صحَّة وحتميَّة الاعتقاد بتفرُّد الله سبحانه بالألوهيَّة، ونبذ ذلك الركام من التصوُّرات الجاهلية عن تعدُّد الآلهة أو تمثيلها بالأصنام.
ثم تشير الآيات إلى أنه تعالى هو الَّذي نزَّل الكتاب على محمَّد صلى الله عليه وسلم، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، عليهما السَّلام. فالجهة الَّتي تتنزَّل منها الكتب على الرسل واحدة، وقد جاء القرآن الكريم مصدِّقًا لما سبقه من الكتب المنزَّلة على الأنبياء، تلك الكتب الَّتي تستهدف غاية واحدة هي هداية الناس إلى الحقِّ والخير. وقد سارت رسالة الإسلام على نمط الرسالات السابقة من الهداية والإرشاد، وبما أن القرآن قد نزل بالحقِّ على رسول من البشر، فلا مبرِّر لتكذيب أهل الكتاب للرسالة الجديدة، وهي من جنس الرسالات السماوية الَّتي نزلت على رسل من البشر أيضًا، واشتركت جميعها بالتبشير بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، وبيَّنت ضرورة تصديقه والإيمان برسالته.
ولم تقتصر مهمة القرآن على الهداية فحسب، بل فرَّق بين الهدى والضلال أيضًا، وبيَّن الروح الحقَّة الَّتي كانت تهيمن على ما سبقه من الكتب والَّتي تتَّفق وتنسجم مع آياته، وتوعَّد بالعذاب