فهرس الكتاب
فجاء العلم الحديث مصدِّقًا لها، ووقف خاشعًا أمام إعجازها الَّذي أَخْبَر عنه النبي الأمِّي محمَّد صلى الله عليه وسلم ـ قبل أربعة عشر قرنًا ـ من خلال كتابٍ مُعجز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه تنزيل من الله العليم الحكيم. وهناك أمثلة كثيرة حول الآيات الَّتي تتعلق بالإعجاز العلمي اخترنا منها ما يلي:
$ قال تعالى: {وهو الَّذي مَرَجَ البحرين هذا عَذْبٌ فُراتٌ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وجعلَ بينَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحجورًا} (25 الفرقان آية 53) ، وقال أيضًا {مَرَجَ البحرينِ يلتقيان * بينهما بَرْزَخٌ لا يبغيان} (55 الرحمن آية 19 ـ 20) ، وقال أيضًا { .. وجعلَ بين البحرين حاجِزًا أَإِلهٌ مع الله بلْ أكثَرُهُم لا يعلمون} (27 النمل آية 61) ، وقال أيضًا {وما يستوي البحرانِ هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سائغٌ شرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومن كلٍّ تأكلونَ لحمًا طريًَّا وتستخرجونَ حِليَةً تَلْبَسونَها وترى الفُلْكَ فيه مواخِرَ لتبتغوا من فضلهِ ولعلَّكم تشكرون} (35 فاطر آية 12) .
تتحدَّث الآيات الكريمة عن ظاهرة وجود بحرين أحدهما عذب فرات، وثانيهما ملح أجاج، أو كلاهما مالحان، فإنهما يتوازيان ويلتقيان، ولا يختلطان أو يمتزجان، إنما يكون بينهما برزخ وحاجز من قدرته تعالى، فلا يغلب أحدهما على الآخر وحيث يختلف كلُّ بحرٍ بحيواناته ومخلوقاته، ودرجة ملوحته عن غيره. وهذا ما توصل إلى اكتشافه العلماء خلال السنوات القليلة الماضية بعد اتباع الطرائق العلمية المسماة (الإستشعار عن بُعد) .
ولا يمنع الحديث عن البحار من الإشارة إلى مجاري الأنهار الَّتي غالبًا ما تكون أعلى من سطح البحر، ومن ثمَّ فالنهر العذب هو الَّذي يصبُّ في البحر المالح دون أن يمتزج فيه، وبهذا التقدير الدقيق لا يطغى البحر، وهو أضخم وأغزر، على النهر الَّذي فيه الحياة للناس والأنعام والنبات.
كذلك نشير إلى وجود البرازخ والحواجز المائية الَّتي أبدعها الخالق على حافَّتي التيارات البحرية المختلفة، حارَّة كانت أم باردة، صاعدة أم هابطة، شمالية أم جنوبية. كذلك إذا التقى نهران في مقرٍّ واحد تجد أن ماء أحدهما لا يمتزج بالآخر، ويمكن مشاهدة النهرين مستقلَّين كلِّ واحدٍ عن أخيه، وكأنَّ خيطًا يمرُّ بينهما، ويكوِّن حدًا فاصلًا بينهما. وقد اكتشف العلماء قانون المطِّ السطحي منذ عشرات السنين، وهو قانون ضابط للأشياء السائلة، ويفصل بين سائلين، حيث أثبت أن تجاوب الجزئيات يختلف من سائل لآخر، لذلك يحتفظ كلُّ سائل باستقلاله في مجاله، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة بكلمة برزخ؛ وفي هذا دليل على مزيد من المعجزات العلمية، كشفها القرآن الكريم بكلِّ بساطة، ممَّا يؤكد أنه من لدن عليم خبير.