فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 400

$ وقال تعالى: {فمن يُرِدِ الله أن يهديَهُ يَشرحْ صدرَهُ للإسلام ومن يُرِدْ أن يُضلَّهُ يجعلْ صدرَهُ ضيِّقًا حَرَجًا كأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماء كذلك يجعلُ الله الرِّجس على الَّذين لا يؤمنون} (6 الأنعام آية 125) .

في هذه الآية يصوِّر الله تعالى بشكل دقيق ملفت للنظر، حال الكافر بحالة من يصعد في طبقات الجو، وما يصيبه من ضيق في الصدر. فإذا ارتفع الإنسان عن سطح الأرض يشعر بانقباض، وكأنه يختنق بسبب اختلاف الضغط الجوي ونقص الأوكسجين، وهذا ما يأخذه علماء الفضاء بالاعتبار لدى استعداد روَّادهم لعملية تخطِّي الغلاف الجوي للأرض، وكذلك الطيارون فهم يضعون كمَّامات الأوكسجين على أنوفهم، ليستنشقوه أثناء طيرانهم في حال الضرورة، بسبب نقص الأوكسجين في الطبقات العليا من الجو، وإلا فإن أحدهم سيصاب بحالة شبيهة بالاختناق، فتراه يتنفس بصعوبة، وتسرع ضربات قلبه ويثقل صدره، وقد جاء عصر العلم بمنجزاته واكتشافاته، ليزيح الستار عن هذه الحقيقة الَّتي تضمَّنتها هذه الآية الكريمة.

$ وقال تعالى: {ومن كلِّ شيءٍ خلقْنَا زوجين لعلَّكم تَذَكَّرون} (51 الذاريات آية 49) .

إن جميع الموجودات في هذا الكون تتصف بصفة الزوجية، الأحياء منها والجمادات، ما تراه العيون وما لا تراه، حتَّى إن الذرَّة مركبة من نوعين اثنين من الكهارب، أحدهما موجب والآخر سالب. وحين نفكر في أن جميع الناس قد عرفوا الزوجية والتزاوج بحكم الواقع العملي للحياة، إلا أن فكرة عموم الزوجية لم تُعرف إلا في العصر المتقدم، وكأن كتاب الله يخاطب كلَّ عصر بعصره. فهاهو يخاطب عصر النبوة بشرح مبسط لقانون الزوجية، حيث يقول تعالى: {واللَّيلِ إذا يغشى * والنَّهار إذا تجلَّى * وما خَلَقَ الذَّكر والأنثى} (92 الليل آية 1 ـ 3) فالله عزَّ وجل يُقْسم بهاتين الآيتين ـ الليل والنهار ــ مبيِّنًا صفة كلٍّ منهما؛ الليل حين يغشى البسيطة ويغمرها ويخفيها، والنهار حين يتجلَّى ويظهر، فيظهر في تجلِّيه كلُّ شيء ويُسفر، وهما أوانان متقابلان في دورة الفلك، وفي الخصائص والآثار، ومع تقلُّب الليل والنهار، تبقى حركة الحياة نشطة مستمرَّة على مدار الساعة، ويبقى الإنسان هو العمود الفقري لهذه الحركة. كما ويُقْسم الله سبحانه بخلقه الذكر والأنثى من جميع الأجناس، تأكيدًا على حقيقة قيام الحياة على التَّكامل الزوجي بين المخلوقات، وهذا دليل على أنه عليم تمام العلم بدقائق المادَّة وما فيها، إذ لا يُعقَل أن يكون هذا التلاؤم والتناسب بين الذكر والأنثى في الحيوان والنبات بمحض المصادفة، أو بتدبير طبيعة لا سيطرة لها على ما يحدث فيها.

وما دمنا في بحث الإعجاز العلمي الخاص لعموم الزوجية، لابد لنا أن نقف مذهولين أمام الحقيقة الَّتي أثبتها القرآن الكريم، والَّتي تشير إلى أن الحيوان المنوي هو السبب في تحديد الذكورة أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت