فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 400

جزئها الثاني فهي تشير إلى الحديد بقوله تعالى: {وأنزلنا الحديد} دلالة على إرادة الله وتقديره في خلق الأشياء والأحداث، وقد خصَّ الله تعالى الحديد بالذِّكر لأنه رمز الصناعة، ومعيار قوَّة الأمم في الحرب والسلم، حتَّى إن الحضارة المعاصرة تكاد تكون قائمة على تصنيع الحديد ومشتقَّاته.

إن الربط بين تعاليم السماء، وحُسن الاتِّزان وإشاعة العدل من جهة، وبين الحديد من جهة أخرى، لم يأتِ في الآية عبثًا، فما كان لأُمَّة متفرقة يَقْهَرُ أفرادها بعضهم بعضًا، أن تحقِّق لنفسها النُّهوض الصناعي والتقدُّم الحضاري، ولو ملكت المواد الخام؛ لافتقارها إلى العلم والتفكُّر، والعمل الدؤوب المخلص، الممزوج بالتوادد والتَّراحم، فما كان لهذا العلم أن يربو في أجواء الحقد والغلِّ، والتشاحن والاستهتار.

ولقد خلق الله عزَّ وجل الحديد لترقى به الأمم في استعمالاته المدنية والعسكرية كافَّة، وليرى الله من يَقْدِرُ على نصرة دينه ورسله، باتِّباع تعاليمه، وتطبيقها بجديَّة وإخلاص، فكلُّ ما خلقه الله تعالى وسخَّره لنا، علينا أن نستفيد منه، وهذا هو المقصود من اتِّباع التعاليم الإلهية، فلا يقتصر الأمر على أداء العبادات الجسدية، بل إن كلَّ عمل ينفع المخلوقات يصبح عبادة. وبهذا نستمدُّ قوَّتنا من قوَّته تعالى، وعزَّتنا من عزَّته، فإن أصابنا الضعف والوهن، فبسبب خلل في علاقتنا مع حضرة الله، وبسبب سوءٍ في تطبيقنا لأوامره، المسعدة لنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا.

ولا يسعنا عند ذكر هذه الآية الكريمة إلا أن نقف بإجلال وإكبار لهذا الكتاب الخالد، الَّذي حوى معجزات لا تحصى، بل إن الله سبحانه أودع فيه معجزات لأهل كلِّ زمان، حتَّى تبقى حجَّة الله قائمة على العباد، بأن هذا الكتاب كتاب الله، وليس كتاب غيره من المخلوقات.

لقد أثبت البحث العلمي، أن الحديد على الأرض، هو نتيجة اصطدام الشهب والنيازك بالأرض خلال الأحقاب الماضية، ولقد عبَّر القرآن عن ذلك بعبارة: {وأنزلنا الحديد} ، ولم يقل خلقنا لكم الحديد، على أنه عندما تكلَّم عمَّا في الأرض، ذكر عبارة: {خلقَ لكم} ، كما في قوله تعالى: {هو الَّذي خَلَقَ لكم ما في الأرضِ جميعًا .. } (2 البقرة آية 29) ، فلينظر الإنسان كيف جاء البحث العلمي موافقًا، لحقيقةٍ ذَكَرَها القرآن، من قبل أن يدركها العلماء بقرون عديدة.

ومن جهة أخرى فقد ذكر سبحانه أنه أنزل الحديد، فيه بأس شديد ومنافع للناس، أمَّا البأس الشديد، فهو إشارة إلى استخدامه في الصناعات الحربية، وعندما تعرَّض لذكر ذلك الاستخدام، أشار إلى السلاح الدفاعي، ولم يذكر السلاح الهجومي، تأكيدًا على الروح السِّلمية لهذا الدِّين الخالد، فقال الله تعالى: {ولقد آتينا داودَ مِنَّا فضْلًا ياجبالُ أَوِّبي معَهُ والطَّيرَ وأَلَنَّا له الحديد * أنِ اعملْ سابغاتٍ وقدِّرْ في السَّرْدِ واعملوا صالحًا إنِّي بما تَعملون بصير} (34 سبأ آية 10 ـ 11)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت