والإنصات يكون بالقلب والعقل معًا، ليخترق نور القرآن الأذن الخارجية إلى شغاف القلب، والحجب الَّتي تستره، فتدبُّ فيه الحياة، ورُبَّ آية سمعها الإنسان ووعاها، حرَّكت مكامن الخير في نفسه، وألهبت مشاعره، واستدرَّت دموع الخشية من عينيه، وغيَّرت مسيرة حياته من الكفر إلى الإيمان، ومن الضلال إلى الهدى، ومن البعد عن الله إلى القرب، ومن القسوة إلى الرحمة. وليست قصَّة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببعيدة عن الأذهان، فقد سمع آية من آيات الله تُتلى، حين تسلل إلى أذنه صوت القارئ وهو يردِّد قول الله تعالى: {طه * ما أنْزَلْنَا عليك القرآنَ لتشقى * إلاَّ تذكِرَةً لِمن يخشى} (20 طه آية 1 ـ 3) فهوى الصنم المعبود من سماء قلبه إلى غير رجعة، وارتفعت مكانه كلمة التوحيد، وأعلن إسلامه بعد أن كاد الجميع ييأَسون من ذلك.
والاستماع إلى القرآن له مثوبة كبيرة عند الله تعالى، فقد أخرج أحمد والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من استمع إلى آية من كتاب الله كُتِبَتْ له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة» . ولكن نور القرآن لا يدخل القلوب الملوَّثة بشهوات الدنيا وتعلُّقاتها، فلابدَّ قبل الاستماع من ذكر الله ذكرًا ممزوجًا بالحبِّ والاطمئنان، مُفعمًا بالخوف والتضرُّع والرجاء، في آناء الليل وأطراف النهار، وبذا تحدث للقلب صحوته، وترتدُّ إليه عافيته، فتثمر آيات القرآن فيه.
وأوَّل الثمرات الَّتي يجنيها المستمع من تلاوة القرآن، هي انشراح الصدر الَّذي يهدي إلى الإيمان، من غير حاجة إلى حجَّة أو برهان. ولكي يصل المرء إلى اليقين الصادق، ينبغي عليه أن يترجم تلاوة القرآن، وتفسيره وفهمه فهمًا عميقًا، إلى واقع وعمل. وبهذا يزداد اعتقاده رسوخًا وعمله خصوبة، فيكون سماع التلاوة كإلقاء البذرة في التربة، وتكون الدراسة للآيات والعمل بها، كالسِّقاية والرِّعاية لها، حتَّى تنمو تلك البذرة، وتقوى وترتفع شجرة طيِّبة راسخة. عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» (رواه مسلم) وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلُ المؤمن الَّذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّة ريحها طيِّب وطعمها طيِّب» (متفق عليه) .
سورة النحل (16)
قال الله تعالى: {فإذا قرأتَ القرآنَ فاستَعِذْ بالله من الشَّيطانِ الرَّجيم (98) إنَّه ليس له سُلطَانٌ على الَّذين آمنوا وعلى ربِّهم يتوكَّلون (99) إنَّما سلطَانُهُ على الَّذين يتَوَلَّونَهُ والَّذين هم به مُشْرِكُون (100) }
ومضات: