فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 400

جبابرة الأبطال، وفيه من دقَّة الإحكام وروعة البيان ما يعجز عنه اللسان، وفيه من العطاء الإلهي ما يفوق كلَّ تصوُّر وخيال. هذه الآيات الإلهية والحِكَم الربَّانية لو أدْرَكَتْها رواسي الأرض وشوامخ الجبال، بما فيها من حسٍّ مركَّز في ذرَّاتها؛ لذابت وانهارت أمامها، كما لو أن الخشية براكين عملاقة، انفجرت في أعماقها، فهدَّت كيانها ونقضت بنيانها، على الرغم من أنها خرجت من أعماق ذاتها.

إن لهذا القرآن هيمنةً وسلطانًا وأثرًا روحيًا محرِّكًا، وفي اللحظات الَّتي يكون فيها الكيان الإنساني متفتِّحًا ومستعدًّا لتلقِّي شيء من حقيقته، يُحْدِثُ في نفسه من التغيُّرات والتحوُّلات، ما يمثِّله فعل المغناطيس في عالم المادَّة والكهرباء بالأجسام أو أشد. ولكن هذه اللحظات المضيئة في حياة الإنسان قليلة، إذا ما قورنت باللحظات المعتمة الَّتي تنسحب على معظم حياته، لذلك نجد الآية الكريمة تستثير مشاعر الإنسان الَّذي لا يخشع عند تلاوة القرآن، ويُعرض عمَّا فيه من توسعةٍ لمدارك العقل والفكر وآفاق الروح. ولهذا فقد كان لهذه الآية مكانة عظيمة بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح ثلاث مرَّات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وَكَّلَ الله به سبعين ألف ملك يصلُّون عليه حتَّى يمسي وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة» (رواه الترمذي) ، وهذه الآيات قوله تعالى: {هو الله الَّذي لا إله إلاَّ هو عالِمُ الغيب والشَّهادةِ هو الرَّحمن الرَّحيم * هو الله الَّذي لا إله إلاَّ هو المَلكُ القدُّوسُ السَّلامُ المؤمنُ المهيمنُ العزيزُ الجبَّار المتكبِّرُ سُبحانَ الله عمَّا يشركونَ * هو الله الخالقُ البارئ المصوِّر له الأسماءُ الحسنى يسبِّح له ما في السَّمواتِ والأرضِ وهو العزيز الحكيم} (59 الحشر آية 22 ـ 24) .

وغنيٌّ عن القول: أنّ قراءة هذه الآيات الكريمة بعد الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في مستهل النهار، هو تجديد يومي للبيعة من العبد المؤمن مع حضرة الله، متعهدًا فيها قضاء يومٍ مثمر، يبذل فيه كلَّ أسباب الخير والبناء والتَّقوى مع جميع الخلائق، بإذن الله وعنايته وتوفيقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت