في تعريف عباده بذاته القدسيَّة؛ ليستثير في نفوسهم الحب والرضا، ويحثَّهم على ما ينقذهم في يوم الحساب، ذلك اليوم الَّذي يُحدِّد فيه مالك الملك، عاقبة كلِّ إنسان بناءً على ما قدَّمته يداه، وهذا أسلوب تربوي تهذيبي أمثل.
ولاشكَّ أن من أبسط مظاهر العدل أن يُحاسَبَ الإنسان ويُجازَى على عمله، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر، والحساب والجزاء إن لم يُستَوْفَيا في الدنيا، فلابدَّ أنهما سيتحقَّقان في الآخرة، وإلا لكانت الحياة عبثًا لا يتلاءم مع عدل الله وحكمته.
فإذا تيقَّنَ الإنسان أنه لا ريب محاسَب، وأن الله القويَّ الجبَّار هو الَّذي سيحاسبه؛ سعى إلى الاستقامة في أموره ما استطاع، وحاول الترفُّع عن صغائر الذنوب واجتناب كبائرها، مطمئنًا إلى عدالته تبارك وتعالى، فلا يبتئس إن أصابه ظلم من الخلق، لأنه واثق أن حقَّه سيردُّ إليه إن عاجلًا أو آجلًا.
وهذه الحقيقة هي الَّتي تفرِّق بين عبودية المرء للنزوات والأهواء، وبين عبوديته لله، والَّتي تتحقَّق بها الغاية الَّتي خُلق من أجلها، فإذا ما استقرَّ في عقل المؤمن وقلبه، وأيقن بأن الله مالك ليوم الحساب، وأدرك حبَّه وعنايته، وفضله ورحمته، وقوَّته وعدالته، توجَّه إليه بكلِّيته، قلبًا وقالبًا، وخصَّه بالعبادة الَّتي تعني الخضوع والخشوع والتسليم، إيمانًا منه بأنَّ لله سلطانًا لا يُدرك العقل كنهه، لأنه أوسع من أن يحيط به الفكر، أو يرقى إليه الإدراك. والعبادة مقام عظيم يتشرَّف به العبد لانتسابه إلى حضرة الله الخالق، فيكون حرًا كريمًا في معتقده، لا سلطان لمخلوق عليه.
وبما أن الله تعالى قد بيَّن لعباده أنه المتفرِّد بالربوبية، فلا ينبغي لهم أن يشركوا في عبادته أحدًا، ولا يُعَظِّموا ـ تعظيم المعبود ـ أحدًا غيره، وحريٌّ بهم أن لا يستعينوا بمن هو دونه، إلا في حدود الأخذ بالأسباب، وأن لا يطلبوا المعونة لإنجاز أعمالهم وقطف الثمار المرجُوَّة إلا منه، وبهذا يكون معنى الاستعانة بالمخلوقين مرادفًا للمعنى الحقيقي للتوكُّل على الله، وهذا من كمال التَّوحيد.
فإذا كان الله ـ وحده ـ هو المعبود وهو المستعان، فقد تخلَّص الضمير البشري من عبء الظروف والأوضاع وذلِّ الأشخاص، كما تخلَّص من سيطرة الأوهام والخرافات، وعندها يستطيع التمييز بين التحرُّر المطلق من كلِّ عبودية لغير الله، وبين العبودية المطلقة لله تعالى، ويختار ما فيه خيره وسعادته في الأولى والآخرة.
إلا أنَّ الإنسان كثيرًا ما يَضِلُّ طريقه في الحياة، ويجد نفسه بأمسِّ الحاجة إلى من يأخذ بيده، فيتوجَّه إليه عزَّ وجل بندائه مستغيثًا به، طالبًا منه تصحيح مسيرته، وانتشاله من دوَّامة الضياع والتخبُّط في متاهات الشكِّ والحيرة الَّتي تعترض طريقه، فهو مفتقر إلى ربِّه في كلِّ لحظة ليثبِّته