فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 400

ـ الله وحده هو الخالق، وهو وحده المالك، فلا عبوديَّة ولا ولاء لغيره. وشهادة أن لا إله إلا الله وحده، ربًّا ومعبودًا، هي قضية العقيدة في صميمها، فإمَّا إخلاص الولاء لله وهو الإسلام، وإمَّا إشراك غيره معه وهو الشرك الَّذي لا يجتمع مع الإسلام في أيِّ حال من الأحوال.

في رحاب الآيات:

لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية الَّتي تتصدَّى لها الرسالة منذ يومها الأوَّل، وأن يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى خطواته في الدعوة، بدعوة الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن يمضي في دعوته يعرِّف الناس بربِّهم الحق، ويجعلهم يعبدونه تعالى دون سواه.

إن إفراد الله سبحانه بالألوهيَّة، يعني نزع السلطان من كلِّ ما سوى الله وردَّه إلى الله، سواء أكان سلطانًا على الضمائر، أم على الشعائر، أم على وقائع الحياة، أم كان في الأرواح والأبدان. فالأرض وما عليها لله، والناس خلفاؤه في إعمارها، ومؤتَمَنُون على حسن التصرف مع أنفسهم وفيما بينهم، وإخلاص النيَّة في ذلك لوجهه عزَّ وجل، كما أنهم مكلَّفون بالعمل على رفع راية التَّوحيد في أرجائها، لتتوحَّد وجهة سيرهم نحو مرضاة خالقهم وموجدهم.

ولا إله إلا الله بمدلولاتها اللغوية تعني: لا شريعة إلا من الله، ولا سلطان إلا لله. وقد تمثلت بداية الدعوة برفع راية لا إله إلا الله، لأن سلامة المجتمع تنبثق من تصوُّرٍ اعتقادي شامل، يردُّ الأمر كلُّه إلى الله، فيُقْبِلُ العبد راضيًا طائعًا لما يقضي به الله، من إرادةٍ في توزيع الأرزاق، ومن حثٍّ على التكافل بين الجميع، وتكون ثمرة هذا الاعتقاد، الإيمان الراسخ الَّذي يستقرُّ في القلب، فيتطهَّر بذلك من الطمع والحسد، والغرور والأنانية وغيرها من الأمراض، الَّتي تفسد عليه نعيم الحياة، وتحيلها إلى جحيم مستعر، كما هو الحال بالنسبة لأولئك الَّذين يعتمدون المبادئ والأنظمة الوضعيَّة في تنظيم علاقاتهم الاجتماعية كبديل عن الشرائع السماوية. ولا يخفى على كلِّ ذي نظر منصف الفرق بين ما خلق الله تعالى وما صنعه الإنسان، فما صنعه الإنسان أشياء ميِّتة قليلة الفائدة، وما خلقه الله أشياء ذات حياة تامَّة الفائدة. وكمثل على ذلك العين الزجاجية الَّتي قلَّد الإنسان بها خلق الله تعالى، ولا وجه للمقارنة بين عين زجاجية جامدة ميتة عمياء، وبين عين خلقها الله فيها الحياة والبريق والبصر والضياء، وهذا هو الفرق بين تشريع الله من حيث النتيجة وتشريع الإنسان على هذا النمط؛ فليخجل الإنسان من نفسه عندما يحاول أن يضع تشريعه مكان تشريع الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت