فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 400

فالعقيدة هي الأساس الَّذي تقوم عليه قيم المجتمع، والمنبع الَّذي تصدر عنه النظم والقوانين الَّتي تحكم سيره، فإن كانت صحيحة وسليمة آتت ثمارها في المجتمع تحضُّرًا ورقيًّا، وإن كانت فاسدة ومشوَّهة أورثت في المجتمع تخلُّفًا وتمزُّقًا، وأصبح على شفا حفرة من الهلاك والدمار المتربِّصَيْن به. ولما كانت الأخلاق الفاضلة من أهمِّ الدعامات الَّتي تحمي صرح المجتمعات الإنسانية؛ كانت الصلة بينها وبين العقيدة صلة وثيقة، بحيث لا يمكن أن تسود في مجتمع ما، إن لم تكن مرتكزة على أساس متين من العقيدة الصحيحة، الَّتي تضع الموازين، وتقرِّر القيم، كما تحدِّد السلطة الَّتي تخضع لها هذه الموازين والقيم، والجزاء الَّذي تملكه حيال كلٍّ من الملتزمين والمخالفين؛ فقبل تقرير تلك العقيدة تكون القيم متأرجحة، لأنها فقدت عناصر الضبط والسلطة والجزاء.

وعندما تقرَّرت عقيدة التَّوحيد في ظلِّ الإسلام، وعرف الناس ربَّهم وعبدوه وحده، وتحرَّروا من سلطان الأهواء والشهوات، تطهَّر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته. وقام النظام الإسلامي يَعْدِل بعدل الله، ويَزِنُ بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده، دون أن يحتاج الأمر إلى العقوبات الَّتي شرعها الله إلا فيما ندر؛ لأن الرقابة انبثقت من الضمائر والقلوب، ولأن الطمع تسامى حتَّى صار طمعًا في رضوان الله تعالى، وكذلك أضحى الحياء من حضرته تعالى، والخوف من غضبه، خُلقان يُتوِّجان سلوك المؤمن في مجتمع ارتقى بأفراده أعلى مراتب الفضيلة، وأسمى درجات العدالة، فأصبحوا في غنى عن رقابة السلطة والقضاء، لأن الرقابة الذاتيَّة جعلت من كلِّ فرد خصمًا وحكمًا في الوقت نفسه. وهكذا ارتفعت البشرية في نظامها، وأخلاقها، بل في حياتها كلِّها، إلى أعلى قِمَّة في الإنسانية ما كانت لترتفع إليها إلا في ظلِّ الإسلام.

ولم يكن لشيء من هذا المنهج المبارك أن يتحقَّق على هذا المستوى الرفيع، لولا فضل الدعوة الَّتي بدأت برفع راية التَّوحيد خفَّاقة، شعارها لا إله إلا الله. وطبيعة هذا الدِّين هي الَّتي قضت بذلك، فهو دين يقوم على قاعدة أنَّ الألوهيَّة لله الواحد الأحد، في تنظيماته وتشريعاته الَّتي تنبثق من هذا الأصل، وفي نظامه الَّذي يتناول الحياة كلَّها، وخصوصًا شؤون الحياة البشرية كبيرها وصغيرها، فينظِّم حياة الإنسان لا في هذه الحياة الدنيا وحدها، بل في الدار الآخرة أيضًا، ولا في العالم المنظور وحده بل في عالم الغيب المكنون أيضًا، ولا في المعاملات الماديَّة وحدها بل في أعماق الضمير وخفايا السرائر والنوايا كذلك. هذا جانب من طبيعة هذا الدِّين، يحدِّد منهجه في بناء نفسه وفي امتداده، ويجعل بناء العقيدة وتمكينها، وشمولها لشعاب النفس كلِّها، ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة، وضمانًا من ضمانات الاحتمال والتناسق بين السريرة والعمل.

ومتى استقرَّت عقيدة لا إله إلا الله في أعماق النفس، استقرَّ معها النظام الَّذي تتمثَّل فيه، وتلقَّت تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرِّضا والقبول، فلا تتلكَّأ بتنفيذها بل تسارع لتطبيقها بمجرَّد تلقِّيها إيَّاها. وهكذا أُبطِلت الخمر، وأبطل الرِّبا وأبطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلُّها، أبطلت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت