فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 400

بآيات من القرآن الكريم، أو بكلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حين نرى أن السلطات البشرية تبذل قصارى جهودها وإمكاناتها العملاقة في سبيل حماية المجتمع من هذه التصدُّعات، فتضع القوانين والنظم والتشريعات، وتبثُّ الدعايات في مختلف وسائل الإعلام، وعلى الرغم من هذا كلِّه تبقى عاجزة عن المعالجة الجذرية، ولا تتمكَّن إلا من ضبط القليل ممَّا ظهر من المخالفات، الَّتي يتخفَّى أصحابها للقيام بها بعيدًا عن الأعين. وهنا تظهر ميزة التشريع السماوي، وروعة القرآن الكريم في طرحه قضية التَّوحيد، وما يترتَّب عليها عن طريق مخاطبة فطرة الإنسان بما في وجوده، وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات، وذلك بعد أن يوقظ فطرته من السُّبات وينعشها، ويفتح منافذها لتتلقَّى رسائل الوحي الإلهي المؤثِّرة وتستجيب لها. وقد تمَّ هذا التلقِّي لمسلمي عصر النبوَّة، على مدى ثلاثة عشر عامًا قبل الهجرة، اكتمل خلالها بناء العقيدة، وكذلك نفذت إرادة الله في قيام القواعد الَّتي ساهمت في نشأة الأمَّة الإسلامية، وظهورها للعالم، لتكون خير أمَّة أخرجت للناس عقيدة وسلوكًا، ومنهجًا وواقعًا وعلمًا وعملًا، فكانت العقيدة هي الروح السارية في واقع المجتمع الفعلي، وكان واقع المجتمع تجسيدًا لروح العقيدة.

والتصوُّر الإسلامي للألوهيَّة وللوجود الكوني وللحياة وللإنسان، تصوُّر كامل شامل، يسهل على الناس تطبيقه كنظام حيٍّ، وعمل واقعي. وانطلاقًا من هذه الحقيقة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوضِّح للناس على الدوام، مبادئ عقيدة التَّوحيد وأسسها وما يتفرَّع عنها، ويتحمَّل في سبيل ذلك صنوفًا من الإيذاء والتعنُّت والإعراض، بصبر وثبات عظيمين، وبقوَّة تنهزم أمامها أباطيل المعرضين وادِّعاءاتهم المزيَّفة. وها هو ذا النبي عليه الصَّلاة والسَّلام يعلن للمشركين براءته من شركهم، ويُشهد الله على ذلك فيقول لهم: {وإنَّني بريءٌ ممَّا تُشركون} . ولقد كانوا يدعونه إلى إقرارهم على ما اتخذوا من أولياء من دون الله، كما دعوه إلى الإتيان بشاهد يشهد بنبوَّته، وأنه رسول من عند الله؛ فيؤيِّده الله بشهادته العظمى الَّتي لا تعدلها شهادة، فيطرحها عليهم بطريق الاستفهام التقريري: {قُل أيُّ شيءٍ أكبرُ شهادةً} ؟ أيُّ شاهد تعلو شهادته كلَّ شهادة، فتحسم القضية ولا يبقى بعدها شهادة؟. وكما يؤمر صلى الله عليه وسلم بالسؤال فهو يؤمر كذلك بالجواب؛ ذلك أنه لاجواب غيره باعتراف المخاطبين أنفسهم، {قُلِ الله} فالله سبحانه وتعالى هو الَّذي يفصل بالحقِّ وهو خير الفاصلين، فإن قال سبحانه؛ فقد انتهى إليه القول وقُضي الأمر.

فما أحوج الأمَّة المؤمنة بعد أن تستيقن حقيقة مهمَّتها في الأرض، وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة الَّتي تدعو إليها، ومقتضياتها من إفراد الله سبحانه بالولاء بكلِّ مدلولاته، ما أحوجها إلى موقف الإيمان المبرَّأ عن الشرك، وأن تقول ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تنفيذًا لأمر ربِّ العالمين. فهذا القرآن لم يأتِ لمواجهة موقف تاريخي حدث على عهد الرسول صلى الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت