والتَّوحيد الَّذي دعا إليه الإسلام هو توحيد الربوبيَّة والألوهيَّة، قال تعالى: {إنَّ إلهَكمُ لَوَاحدٌ * ربُّ السَّمواتِ والأرضِ وما بينَهُمَا وربُّ المشارق} (37 الصافات آية 4 ـ 5) . وكانت العرب تعتقد بتوحيد الربوبيَّة، وأن الله هو الخالق والمبدع لكلِّ الموجودات، وقد شهد لهم القرآن بهذه الحقيقة: {وَلَئِن سألتهُمْ من خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ وسخَّرَ الشَّمسَ والقمرَ ليقولُنَّ الله .. } (29 العنكبوت آية 61) ؛ ولكنَّهم كانوا يشركون في عبادة ربِّهم، ويتَّخذون آلهة من دونه، زعمًا منهم أنها واسطة تقرِّبهم إلى الله. وقد أنكر الله عليهم هذا الإشراك في كتابه العزيز وعلى لسان نبيِّهِ: {وَلَئِن سألتَهُم من خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ ليقولُنَّ الله قُلْ أَفَرَأَيْتُم ما تَدْعونَ من دونِ الله إنْ أرادَنِيَ الله بضُرٍّ هل هُنَّ كاشفاتُ ضُرِّهِ أو أرادَنِي برحمةٍ هل هُنَّ ممسكاتُ رحمتِهِ قل حسبِيَ الله عليه يتوكَّلُ المتَوكِّلون} (39 الزمر آية 38) . فالموحِّدون هم من تطهَّرت نفوسهم من دنس الشرك، وتطهَّرت قلوبهم وأرواحهم من دنس الذنوب والمعاصي، وتغلَّبت فيهم عناصر الخير على عناصر الشر، فإن وقعوا في ذنب أو معصية فسُرعان ما يتوبون ولا يطول عليهم الأمد في الغفلة كما قال تعالى: {إنَّ الَّذين اتَّقَوْا إذا مسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيطانِ تذكَّروا فإذا هم مُبصِرون} (7 الأعراف آية 201) .
والسبب في استنكار جريمة الشرك، وخروج صاحبها من دائرة المغفرة، أنَّ من يشرك بالله يخرج عن حدود الانتماء للتعاليم الإلهيَّة، وتفسد فطرته، فلو بقي في قلبه خيط واحد صالح من خيوط الفطرة لشدَّهُ إلى الشعور بوحدانيَّة الله. والسؤال الَّذي يطرح نفسه، ما الَّذي يدفع المشرك لأن يتَّخذ لله شريكًا، وقد خلق الله تعالى له كلَّ ما يحتاج إليه وعلى أكمل وجه؟ وما الَّذي يرجوه من ذلك الشريك؟ لا شيء، سوى الرَّغبة بالتفلُّت من تعاليم الله وتكاليفه، لإشباع غرائزه البهيميَّة والحصول على مكاسب لا أخلاقية، وفي هذا كلِّه ضلال وإثم، وتدمير لأركان السعادة الَّتي وضعها الله تعالى للإنسانية، ونسف لجسور الإيمان الموصلة إلى المغفرة الإلهيَّة، ولو أنه أبقى عليها وصانها لتمكَّن من عبورها، ولنجا من عذاب الله الشديد، الَّذي أعدَّه لكلِّ من يتخاذل ويصرُّ على الإشراك به.
سورة البقرة (2)
قال الله تعالى: {ومِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أندادًا يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ الله والَّذين آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لله ولو يَرَى الَّذين ظَلَمُوا إذ يَرَونَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لله جَميعًا وأنَّ الله شَديدُ العَذابِ (165) }
ومضات:
ـ حبُّ الله الَّذي يعمر قلوب المؤمنين به، هو أقوى وأشدُّ أثرًا من حبِّ المشركين لمن يتخذونهم أربابًا وأولياء من دون الله.