وقد أيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم جذوة المحبَّة وأشعلها في قلوب أصحابه، فأحبُّوا الله أعظم من حبِّهم لأنفسهم وآبائهم وأمَّهاتهم، ورَضُوا أن يبذلوا نفوسهم ومُهَجهم في سبيله وهم فرحون مستبشرون. وكان ممَّا حُفِظ من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك حبَّك، وحبَّ من يحبُّك، وحبَّ عمل يقرِّبني إلى حُبِّكَ» (رواه الترمذي بسند صحيح) .
إن محبَّة الله هي الَّتي حملت مصعب بن عُمَيْر على ترك ما كان ينعم به من طيب العيش في كَنَفِ أسرته، إلى الشظف والحرمان، حين عارض والداه إسلامه. قال عمر رضي الله عنه: «نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير، وعليه ثياب رثَّة فقال: انظروا إلى هذا الرجل الَّذي نوَّر الله قلبه .. لقد رأيتُه بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حبُّ الله ورسوله إلى ما ترون» (أخرجه البيهقي في الشعب وأبو نعيم في الحلية) . ومحبَّة الله تعالى تقتضي محبَّة القرآن الكريم، ومحبَّة الشريعة السمحة، يقول عثمان رضي الله عنه: (لو سلمت منَّا القلوب ما شبعت من كلام الله عزَّ وجل، وكيف يشبع المحبُّ من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه) ؟.
ومن مظاهر حبِّ الله، محبَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ أنه النبي الأمين، ومُبلِّغ الرسالة، وقائد الخَلق إلى الحقّ. ولهذا فإن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تفانَوا بمحبَّته، وبلغوا بها أرفع المنازل والدرجات، وضربوا أروع الشواهد والأمثال على صدقها. وكُتُبُ السيرة غنيَّة بذلك، وقد ورد فيها أنه لمَّا أخرج أهل مكَّة زيد بن الدُّثنَّة رضي الله عنه ـ وكانوا قد أسروه ليقتلوه ـ قال له أبو سفيان: أنشدك الله يازيد، أتحبُّ أن محمَّدًا الآن مكانك تُضرب عنقه، وأنت في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحبُّ أن محمَّدًا في مكانه، الَّذي هو فيه، تصيبه شوكة وأنِّي لجالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدًا من الناس يحبُّ أحدًا كحبِّ أصحاب محمَّد محمَّدًا. وعن أنس رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أنِّي أحبُّ الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت. قال أنس: فما فرحنا بشيء، فرَحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت» (متفق عليه) .
على أنَّ هذا الحبَّ لا يتنافى مع محبَّة الزوج والولد والأهل والعشيرة، مادامت هذه المحبَّة تابعة للحبِّ الإلهي، وغير مانعة له من النُّموِّ والسُّموِّ والوصول إلى الكمال. فمحبَّة الزوج والولد والعشيرة فطريَّة ومتأصِّلة بقلب الإنسان وعاطفته، وهي محمودة إلا إذا صرفته عن المَثَل الأعلى، وأعاقته عن النهوض لخدمة دينه ونفع وطنه. وهذا هو هدي القرآن الكريم وأسلوبه الحكيم، إذ أنَّه لا يبخس الفطرة حقَّها، فهو يقيم العلاقة الزوجيَّة على أساس من المودَّة المشتركة بين الزوجين، قال تعالى: {ومن آياتِهِ أن خَلَقَ لكم من أنفسكُمْ أزواجًا لتسكُنُوا إليها وجعلَ بينكم مودَّةً ورَحمةً إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكَّرون} (30 الروم آية 21) . كما أنه يمنح الولد حقَّه من