فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 400

الرِّعاية والحنان، وينكر على من يجافي هذه الفطرة وَيَصِمُهُ بالقسوة والجفاء؛ فقد جاء أعرابي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «أتُقبِّلون الصبيان؟ فما نُقبِّلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أَوَ أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟» (رواه البخاري ومسلم) . وهكذا يساير الإسلام الفطرة ويعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ويفتح القلب الإنساني لحبِّ الله الَّذي لا حياة إلا به. وقد أثبت الله سبحانه وتعالى هذه المحبَّة للمؤمنين فقال: { .. والَّذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله .. } .

وهناك فريق من الناس ممَّن لم يتهيَّأ لهم النُّضْج الإيماني والفكري، يمزجون بين حبِّهم لله وحبِّهم للمخلوقات، الَّتي سخَّرها الله، لتكون وسائلَ وأسبابًا لتنفيذ إرادته وقضائه في الأرض، فيمالئونهم ويتقرَّبون إليهم وكأنَّهم هم صانعو القدر، متناسين أن مفاتيح العطاء كلَّها بيد الله، وقد ينساقون وراءهم فيتساهلون بأمر عقيدتهم كسبًا لمرضاتهم وطمعًا في مساعدتهم. أمَّا المؤمن فهو الَّذي يفطن إلى كنه العلاقة الَّتي تربطه بغيره من المخلوقات، فعندما يحتاج إليهم يدرك تمام الإدراك، أن مشيئتهم وإرادتهم مقيَّدة بمشيئة الله. وقد يمدُّ يده طالبًا مساعدتهم في قضاء حوائجه أخذًا بالأسباب، لكنَّ قلبه يبقى مخلصًا لله، حرًّا من كلِّ تعلُّق بغيره، لا يتوكَّل إلا عليه، لأنه هو المعطي وهو المانع، وكلُّ تعلُّق بغيره يصل إلى درجة تتعارض مع تعلُّقه بالله، يُعتَبر شركًا خفيًّا، لأنه يحجب صاحبه عن رؤية الله في كلِّ أمر من أوامره، وينافي التوكُّل عليه، واللجوء إليه في السرَّاء والضرَّاء. ويدخل في دائرة الإشراك، الإفراط في حبِّ الزوجة أو الولد أو المال أو أيِّ شيء زائل، بحيث يطغى على حبِّ الله تعالى: {قُلْ إن كان آباؤُكُم وأبناؤُكم وإخوانُكُم وأزواجُكُم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفْتُموها وتجارةٌ تخشَونَ كسادَهَا ومساكنُ ترضَوْنَها أحبَّ إليكم من الله ورسولهِ وجهادٍ في سبيلهِ فترَبَّصُوا حتَّى يأتيَ الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} (9 التوبة آية 24) . وهؤلاء المعرضون عن الإخلاص في عبادة الله تعالى، يظلمون أنفسهم في الدنيا والآخرة، ولو تفتَّحت بصائرهم لأدركوا أنهم يرمون بأنفسهم في دائرة عذاب الله، ويجدر بهم أن يدركوا أن القوَّة لله جميعًا، وأن عذاب الله شديد، قبل أن يصبحوا نَادمين بائسين، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

ولا بدَّ لنا أن نشير في ختام البحث إلى أنه لا بدَّ للمؤمن من الاعتقاد بأن الله وحده هوالخالق للعالم أجمع، وأنه مالك الملك، المتصرِّف فيه بالرزق، والحياة والموت، والضرِّ والنفع، وغير ذلك، وهذا يدفعنا إلى إفراد الله وحده بالعبادة، والقصد والطلب، وإفراده بتصريف حياة البشر في التشريع، فلا نعبد إلا الله، ولا نتوكَّل إلا عليه، ولا نقصد سواه، ولا نعمل إلا ابتغاء وجهه ورضاه، ولا نسأل غيره، ولا ننذر إلا له، ولا نحلف أو نقسم إلا به سبحانه وتعالى.

ولقد شابَ تاريخ البشرية ومنذ العصور القديمة، عادات وتقاليد، حرفت الإنسان عن مسيرة التَّوحيد الصافي النقي والَّذي لا تشوبه شائبة، فاعتاد الناس عليها، ولا بدّ من ذكر بعضها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت