فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 400

عشقًا وشوقًا للواحد الغفَّار. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام، ثلاث عقد، يضرب على كلِّ عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلَّت عقدة، فإن توضَّأ انحلَّت عقدة، فإن صلَّى انحلَّت عقدة، فأصبح نشيطًا طيِّب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» (متفق عليه) . وإن ليل القائم يتنوَّر بنور عبادته مثل وجهه، فقد سئل الحسن البصري: [ما لنا نرى وجوه قوم منوَّرة؟ فقال: خَلَوْا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره] . وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أُمِرَ من قِبَل الله تعالى بالصَّلاة والتهجُّد وتلاوة القرآن، ليُبعث المقام المحمود، وهو المصطفى المختار الَّذي كان يُمْضِي الليل واقفًا بين يدي الله تعالى، يناجيه ويدعوه ويتصل به، ويصلِّي له حتَّى تتورَّم قدماه، فإذا كانت حالة الرسول صلى الله عليه وسلم هكذا، وهو الَّذي غَفَرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فكيف بنا نحن المذنبين؟ أليس حَريٌ بنا أن نسلك طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتبارى في تحصيل المزيد من الصلوات والنوافل والأذكار الَّتي تُزَكِّي لنا الفؤاد، وتُحْيِي منا الأرواح، وتزرع فينا الأمل بمرضاة الله وعفوه، فننال المنزلة الَّتي أعدَّها الله للمقرَّبين من عباده، ونحظى بالنعيم الَّذي أعدَّه لهم. فما أحوج المؤمنين لأن يسلكوا إلى الله مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم، فيخلصوا العبادة والطاعة والتوجُّه إلى الله، ويدركوا أن العناء والتعب النفسي الَّذي يلاقونه في شؤون حياتهم، يزول ويتلاشى كلَّما سبَّحوا بحمد ربِّهم، واستمدُّوا من حضرته المدد والغوث، وفي هذا ما يجدِّد نشاطهم ويقوِّي هممهم لمتابعة العمل.

أمَّا عن إقامة الصَّلاة فإنها تقتضي اقتران التلاوة بتدبر مع التزام الخشوع القلبي، فإنْ أقيمت على هذا النحو من الأداء أفاضت على صاحبها نورًا وهداية، وكانت عنده بمثابة حصن متين يقيه شرور المنكرات والرذائل، مصداقًا لقوله تعالى: {اتلُ ما أُوحيَ إليك من الكتابِ وأقِمِ الصَّلاة إنَّ الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكرِ ولَذِكْرُ الله أكبرُ وَالله يعلمُ ما تصنعون} (29 العنكبوت آية 45) .

وليس المهمُّ أن نصلِّي فحسب، بل المهمُّ والأهمُّ أن تكون صلاتنا مقبولة عند الله تعالى، وأوَّل الشروط الَّتي ينبغي على المصلِّي أن يلتزمها لضمان قبول صلاته؛ هو الإقامة الَّتي أرادها الله، والَّتي تعني الأداء الكامل التام ظاهرًا وباطنًا. فمتى خشع القلب وأخبت لربِّه وعلم أنه ماثل بين يديه، خشعت الجوارح والأركان. ولهذا فلابدَّ من الطمأنينة بين كلِّ حركة وأخرى من حركات الصَّلاة، وفي هذا ورد في الأثر: [أسوأ الناس الَّذي يسرق من صلاته] ، وهذه السرقة هي عدم إتمام الوقوف والركوع والسجود والقعود بنشاط تام، فإذا خلت الصَّلاة من صدق التوجُّه إلى الله كانت صلاة صوريَّة شكليَّة، ولا تتجلَّى في المصلِّي آثارها في حسن الخُلُقِ والبعد عن المعصية، ولهذا نجد بعض المصلِّين لا يتورَّعون عن ارتكاب الذنوب، والقيام بالمنكرات دون خجل أو حياء،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت