فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 400

وهؤلاء الَّذين قال صلى الله عليه وسلم في حقِّهم: «من لم تَنْهَهُ صلاته عن المعاصي لم يزدد بها إلا بُعدًا» (أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه) . وهذا الصنف من الناس كان ولا يزال يسيء إلى سمعة المسلمين، ويعطي المثل السيء عنهم، وينفِّر غير المصلين من الصَّلاة، بسبب التناقض الجليِّ بين سلوكهم وتصرُّفاتهم، وبين وصفهم مصلِّين وذاكرين لله تعالى.

وقد صرَّحت الآية الكريمة بأن الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكيف لا ينتهي عن ذلك هؤلاء المصلُّون! ذلك أن للصلاة مظهرًا خارجيًا، وجوهرًا وحقيقة، فحركات الصَّلاة من قيام وقعود وسجود هي مظهر الصَّلاة وهذا ظاهر العبادة، وهذه الحركات يؤدِّيها سائر المصلِّين، أمَّا الوصول إلى جوهر الصَّلاة، فهذا من عمل القلب لا الجوارح، إلا أنه لا يمكن إدراكه بالعين المجرَّدة، كما لا يمكن أن نحكم على مستوى صلاة المصلِّي إلا بمقدار ما تنعكس آثار هذه الصَّلاة في أعماله وتصرُّفاته. فالمصلِّي المرتكب للفواحش، لا حظَّ له من صلاته إلا القيام والقعود، بخلاف المصلِّي الورع الَّذي تنعكس آثار الصَّلاة وخيراتها في مطلق أعماله وتصرُّفاته، وتهيمن عليه في حالتي الرضا والسخط والعطاء والمنع؛ فيكون من عداد المصلِّين الَّذين استثناهم الله تعالى، بخروجهم عن الأوصاف الملازمة للإنسان الخام، الَّذي لم يدخل مدرسة الصَّلاة وذلك في قوله جلَّ من قائل: {إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إذا مسَّهُ الشَّرُّ جَزوعًا * وإذا مسَّهُ الخيرُ مَنُوعًا * إلاَّ المصلِّين * الَّذين هم على صلاتِهِم دائمون} (70 المعارج آية 19 ـ 23) . وهذا مايؤكِّده رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِّه «ليس كلُّ مصلٍٍّ يصلِّي، إنما أتقبَّل الصَّلاة ممَّن تواضع لعظمتي، وكفَّ شهواته عن محارمي، ولم يصرَّ على معصيتي، وآوى الغريب، كلُّ ذلك لي ... » (رواه الديلمي عن حارثه بن وهب)

إن ذكر الله تعالى هو أُسُّ العبادات، وبه نصل إلى حقيقة الصَّلاة، وجوهر الصَّلاة يعيدنا إلى دائرة الذكر لتكون بذلك حلقة متكاملة بالله، من الله وإلى الله. قال أحد العلماء العارفين: [إن في الصَّلاة ثلاث خصال: الإخلاص والخشية وذكر الله؛ فالإخلاص يقود العبد إلى المعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله ـ القرآن ـ يأمره وينهاه، فكلُّ صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة] . والذكر النافع ما تحقَّق فيه جمع القلب على الله وتفرغه ممَّا سواه، ذلك لأن صلة القلب المستمرَّة بالله، والذكر الدائم له، يتركان في الإنسان أعظم الأثر، وينقلانه من حال إلى حال، ويزوِّدانه بالقوَّة والثبات على التزام ما تلاه من القرآن الكريم في صلاته خير التزام. ومن ذكَر الله ذكره الله، وذِكْرُ الله للعبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه، وهذا من ثمار ذكر العبد ربَّه، قال تعالى: {فاذكُروني أَذكُركم .. } (2 البقرة آية 152) .

وعندما تعترض المؤمن ظروف طارئة أو أوقات عصيبة لا يستطيع أن يؤدِّي فيها الصَّلاة بشكلها الأصلي؛ يُرخَّص له أن يؤدِّي هذا الفرض على الكيفية الَّتي تتلاءم مع ظرفه ووضعه رفعًا للحرج،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت