اعتقاده بأن الله يراقبه ويطَّلع عليه. وقد جاء في الحديث القدسي: «كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصِّيام فإنه لي وأنا أجزي به» (أخرجه أحمد ومسلم والنَّسَائي) .
ومعنى الصِّيام في الإسلام هو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات، مع النيَّة على ذلك، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ولمَّا كان الامتناع عن ممارسة هذه الأمور المباحة ثقيلًا على النفس، يصعب عليها تقبُّله إن لم تكن مؤمنة وعاشقة لله؛ خاطب الله عباده بهذا النداء العذب: {ياأيُّها الَّذين آمنوا} قبل أن يلقي إليهم الأمر بالصِّيام، فخلع عليهم لقب المؤمنين تحريكًا لقلوبهم وشدًّا لعزائمهم، لأن الإيمان يقتضي الامتثال والطاعة، ثمَّ أتبع هذا النداء بالتكليف بعد أن شحذ نفوسهم، ودفعها لتنهض وتستجيب لأمره.
والصِّيام فريضة قديمة موجودة في الشرائع كافَّة، والغاية الأولى منه هي إعداد القلوب لتقوى الله وخشيته، وإعداد النفوس لكلِّ خير، ذلك أن الصَّائم يترك شهواته ـ مع قدرته على اتِّباعها ـ امتثالًا لأمر الله، ومسارعة إلى مرضاته، وهذا من شأنه أن يورث خشية الله في القلب، وينمِّي ملكة المراقبة للذَّات، ويقظة الضمير. وقد فُرض الصَّوم على المسلمين في البداية ثلاثة أيام من كلِّ شهر، ثمَّ نُسِخ ذلك بصوم شهر رمضان. وكان الصِّيام في بدء الإسلام اختياريًّا بالنسبة للصحيح المقيم، إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم عن كلِّ يوم مسكينًا، مع بيان أن الصِّيام أفضل من الإطعام. وبعدها أصبح صيام شهر رمضان فرضًا على الصحيح المقيم، على قاعدة التدرُّج في الأحكام، وأُبيح للمريض أن يفطر حفاظًا على صحَّته، وكذلك للمسافر منعًا للمشقَّة والضرر، بشرط أن يقضيا ما فاتهما عند القدرة. أمَّا إذا أفطر المؤمن لشيخوخةٍ أو ضعف وكان عاجزًا عن القضاء، فعليه فدية إطعام مسكين عن كلِّ يوم أفطره، وإن زاد على ذلك فهو خير له. ومن كان ذا عذر وأخذ بالعزيمة ولم يفطر فهو خير له، شريطة ألا يُجهد نفسه أو يُحمِّلها فوق طاقتها.
وقد ثبت طبيًّا أن الصِّيام يزيل الموادَّ المترسِّبة في الجسم، ويجفِّف الرطوبات الضارَّة، ويطهِّر الأمعاء من السموم الَّتي تحدثها البِطنة، ويذيب الشحوم ذات الخطورة الشديدة على القلب، وقد قال أحد أطباء الغرب عنه: [إنه جرَّاح ذهني، يشفي من العلل دون استعمال مشرط أو إراقة دم] . والصِّيام يقوِّي الإرادة، ويعوِّد النفس على الصبر والاحتمال، فيواجه الإنسان الحياة بشجاعة، وبقدر ما تقوى الإرادة يضعف سلطان العادة ويقوى سلطان العبادة، وبذلك تتاح الفرصة لهجر الكثير من العادات السيئة. والصِّيام يحقِّقُ نوعًا من المساواة بين الأغنياء والفقراء، ويفجِّر ينابيع الرحمة والعطف في قلوب الأغنياء، بعد أن يذوقوا معاناة مَن ضاقت بهم سبل الرزق، ممَّا يؤدِّي إلى حفز استعداداتهم لمواساتهم، فتتآلف القلوب، وتتلاشى الأحقاد، ويتآزر الجميع للنهوض بالمجتمع وتوفير الطمأنينة في أرجائه.