فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 400

والصِّيام ليس مجرد إمساك عن المفطرات، وإنما هو هجرٌ لجميع المعاصي والسيئات فلا يحلُّ للصائم أن يتكلَّم إلاَّ حسنًا، ولا يفعل إلاَّ جميلًا. قال صلى الله عليه وسلم: «الصِّيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، إني صائم» (أخرجه أحمد ومسلم والنَّسَائي) . وبهذا يكون الصِّيام درسًا عمليًا في تعويد النفس على الفضائل، وحملها على الاتِّصاف بكلِّ ما هو حسن في جميع الحالات، وإلا فإنه سيتحوَّل إلى مجرَّد عمل شاقٍّ لا يحتوي أي مضمون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» (أخرجه النَّسَائي وابن ماجه) .

وقد اختار الله تعالى شهر رمضان من بين سائر الشهور فأنزل فيه القرآن الكريم، وهو الشهر الَّذي كانت الكتب السماوية تُنزَّل فيه على الأنبياء قال صلى الله عليه وسلم: «أُنْزِلَتْ صحف إبراهيم في أوَّل ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستٍّ مَضَيْنَ من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» (رواه الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه) وقد أنزل الله القرآن الكريم، كغيره من الكتب السماوية، هدى لقلوب العباد الَّذين آمنوا به وصدَّقوه واتَّبعوه، وفيه دلائل واضحة، وبرامج عملية مسعدة لمن فهم آياته وتدبَّرها.

فَمَنْ أظلَّه شهر الصَّوم، وكان مقيمًا في بلده، صحيحًا في جسمه، فعليه أن يصوم، أمّا في حالة المرض المؤدِّي إلى الضرر، أو زيادة العلَّة، أو تأخُّر الشِّفاء ففي ذلك حكمان:

1 ـ ألا يطيق المريض الصَّوم بحال من الأحوال، فالإفطار في حقِّه واجب.

2 ـ أن يقدر على الصَّوم مع وجود المشقَّة الَّتي قد ينجم عنها الضرر، فهذا يُرخَّص له بالإفطار، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحبُّ أن تُؤتى رخصه كما يحبُّ أن تُؤتى عزائمه» (رواه البيهقي والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنه) (الرخصة هي تسهيل الحكم على المكلَّف بسبب عذر حاصل) .

والإفطار مشروط بالقضاء بعد زوال السبب أو بدفع الفدية بالنسبة لمن لا يتوقع زوال هذا السبب، وهذا تيسير وترغيب في أداء الفريضة، ومراعاة من الشارع جلَّ شأنه لأحوال الناس الصحيَّة والمعاشيَّة، وفيه توجيه للدعاة ليسلكوا بالناس سُبل التسهيل، وأن يتجافوا عن التشدُّد. فالداعي مع الإنسان كالطبيب مع المريض، همُّه بُرْؤُه وشفاؤه بأيسر السُّبُل وأخفِّ الكُلَفِ، وليس من الصواب ما يفعله بعض الناس في تحرِّي المشاقِّ وتكليف الناس بها. عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هَلَكَ المتنطِّعون» قالها ثلاثًا (رواه مسلم) (المتنطِّعون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت