فهرس الكتاب
وَلَو لم تمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ علَى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ للنَّاسِ واللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيْم (24 النور آية 35) .
الله نور السموات والأرض؛ ولنوره حلاوة تتحسَّسها الأرواح، وتنشرح لها الصدور، ولا يمكن للعين أن تدركه، لأنه ذو طبيعة خاصَّة، لا تستشفُّها إلا عين القلب، لأن القلب مسكن حبِّ الرحمن ومعرفته!! ولا يمكن الاهتداء إلى هذا النور إلا بتزكية النفس وتطهير الروح، وصقل مرآة القلب لينعكس عليها جمال الأنوار الإلهية، كما ينعكس ضوء القمر على صفحة الغدير الساكن.
والآية الكريمة تثير الإحساس الروحي لكي يتطلَّع المؤمن إلى الأفق الواسع، ويستشرف الحقيقة في آفاق السَّموات والأرض، ويتهيَّأ لتلقِّي الفيض الإلهي في عالَمٍ ملؤه الإشراق والنور. وما يكاد اسم الله يتجلَّى من خلال كلمات هذه الآية حتى يفيض النور ويغمر الكون كلَّه، فيغرِقه في جلاله الباهر، ثمَّ ينسكب في الحنايا والجوانح، ويظهر على المشاعر والجوارح، فتعانقه العيون وتدركه البصائر، وتنزاح الحجب، وتشفُّ القلوب، وترفرف الأرواح، فإذا الكون كلُّه ـ بما فيه ومن فيه ـ نور طليق من القيود والحدود؛ تتَّصل فيه السموات بالأرض، والأحياء بالجمادات، والبعيد بالقريب، وتلتقي الطوايا والظواهر، والحنايا والقلوب المغمورة بالنور الَّذي يهبها جوهر وجودها، ويودعها ناموسها.
وقد استطاع البشر مؤخَّرًا أن يدركوا بعلمهم طرفًا من هذه الحقيقة الجليلة، عندما تحوَّل ما كان في أيديهم من المادَّة ـ بعد تحطيم الذرة ـ إلى إشعاعات منطلقة قوامها النور؛ فذرَّة المادَّة مؤلَّفة من كهارب وإلكترونات، تنطلق عند تحطيمها في هيئة إشعاع من النور. وقد أدركت قلوب الأنبياء والرسل هذه الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون وقرون، كما أدركها قلب الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم كاملة شاملة ففاض بها فؤاده وهو عائد من الطائف، نافضًا كفَّيه من الناس، لائذًا بربِّه، قائلًا: «أعوذ بنور وجهك الَّذي أشرقت به الظُّلمات وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة» (أخرجه الطبراني عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما) .ونتيجة لإيمانه وحبِّه لله تعالى ـ مصدر النور وناشره في الوجود ـ كان دائم التوجُّه إليه، ليستمدَّ من ذلك النور ولينعكس عليه أكبر قسط منه، فيردِّد في مناجاته هذا الدُّعاء: «اللهمَّ اجعل في قلبي نورًا وفي لساني نورًا وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا وعن يساري نورًا، ومن فوقي نورًا ومن تحتي نورًا، ومن أمامي نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل لي في نفسي نورًا، وأَعْظِمْ لي نورا» (رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما) .
إلا أن الكيان البشري ـ بطبيعة تركيبه ـ لا يقوى طويلًا على تلقِّي ذلك الفيض الغامر من النور، ولا يستشرف ذلك الأفق البعيد دون أن يَكِلَّ نظره ويرتدَّ طَرْفه حسيرًا، لذلك نرى الآية القرآنية قد