حثَّ الإسلام المؤمنين على ألا يحملهم الهوى والعصبيَّة وعداوة الناس أو ظلمهم لهم على ترك العدل في أمورهم، بل أمرهم بالالتزام به في كلِّ حالة، وهو بذلك يكفل العدل المطلق لكلِّ الناس كما يكفله لأبنائه، وهذه المقوِّمات تجعل الإسلام دينًا عالميًّا، يمكن للناس جميعًا الاحتماء بتعاليمه لنيل حقوقهم، سواء كانوا من معتنقيه أم من غيرهم. فهو لا يطالبنا بإقامة العدل فيما بيننا فقط، بل بإقامته بيننا وبين غيرنا حتَّى ولو كانوا أعداءً لنا، وهذا قِمَّة ما يمكن أن يصل إليه الناس في ضبط النفس وسماحة القلب، تلك القمَّة الَّتي لابدَّ من أن ترقى إليها الأمَّة، المكلَّفة من ربِّها، بأن تقوم على هداية البشريَّة، وترتفع بها إلى الأفق الكريم الوضيء.
وقد نهى الله تعالى المسلمين عن أن يجعلوا شعائر الله (الَّتي كان العرب يتخذونها منذ الجاهليَّة، بما توارثوه من دين إبراهيم الحنيف) حلالًا لهم يتصرَّفون فيها كيف يشاؤون، أو يتهاونون بحرمتها، أو أن يُحِلُّوا الأشهر الحرم، وهي أربعة: رجب (لأداء العمرة) ، وذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم (للقيام بشعائر الحج) . وقد كانت العرب تُعظِّم هذه الأشهر وتحرِّم القتال فيها، فمن وُجد في غير هذه الأشهر أصيب منه، إلا أن يكون مشعرًا بَدَنَةً أو بقرة أو مُحرِمًا بعمرة إلى البيت الحرام، فحينئذٍ لا يتعرَّض له أحد. وقد أمر الله تعالى المسلمين بتقرير هذا المعنى، فلا يقاتلون فيها أحدًا ما لم يقع الاعتداء فيها على المسلمين، فإنَّ لهم حينئذٍ أن يردُّوا الاعتداء، وألا يَدَعوا المعتدين يحتمون بالأشهر الحرم ـ وهم لا يرعون حرمتها ـ ويستترون خلفها، للنيل من المسلمين، ثمَّ يذهبون ناجين بعملهم.
ونهى المسلمين كذلك عن أن يُحِلُّوا الهدي الَّذي كان يُهدى من غير المسلمين إلى مَحِلِّه من بيت الله، فلا يجوز لمسلمٍ غَصْبُهُ أو ذَبْحُه أو حَبْسُه، كما يَحْرُمُ عليهم التعرُّض بالقتل أو الصدِّ لكلِّ من قصد بيت الله بالزيارة رغبة في مرضاة الله، وسعيًا وراء الرزق والكسب المادي. فالمسلمون ملزمون بالتعامل مع جميع الناس بالإحسان، وفي كلِّ زمان ومكان، وينبغي عليهم التقيُّد بهذا الالتزام بشكل أخصَّ في بيت الله الحرام، وفي الأشهر الحرم، وبغَضِّ النظر عن العداوة الَّتي قد تكون أحيانًا بينهم وبين بعض الفئات.
وكان المشركون قد صدُّوا المسلمين عن البيت الحرام عام الحديبية، فنهى الشارع الحكيم أن يعتدوا عليهم عام حجَّة الوداع حين ملكوا القدرة عليهم. وقد نزلت هذه السورة بعد صلح الحديبية، حيث يدعوهم الله تعالى فيها ليرتفعوا إلى مستوى الدَّوْر الَّذي أناطه بهم، إنه دور هداية الناس بلا تأثُّر بالمشاعر الشخصيَّة والعواطف الذاتيَّة، والملابسات العارضة في الحياة. يدعوهم لأن يرتقوا فوق العدل نفسه، ليصلوا إلى مرتبة التسامح وضبط النفس مع من اعتَدَوا عليهم، وتركوا في نفوسهم جروحًا وآلامًا، وخلَّفوا في قلوبهم الكره والبغض، فإساءة المسيئين شيء، وواجب الأمَّة المسلمة شيء آخر. إنها تَبِعَةُ حمل الرسالة، التبعة الَّتي لابدَّ للمؤمنين أن يتجاوزوا فيها