وتشتدُّ قسوتها فتبلغ درجة الفتنة، لكنَّها فتنة كأنَّها النار الَّتي تصوغ الذهب، فهي تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف، وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تبقى خليطًا مجهول القيم.
لقد علِم الله جلَّ وعلا أن هذه الخليقة البشريَّة لا تُصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجًا حقيقيًّا، ولا تصحُّ ولا تستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبيَّة الواقعيَّة، الَّتي تُحفر في القلوب، وتُنقش في الصدور وتأخذ من النفوس، وتعطي في معترك الحياة وملتقى الأحداث. لقد كانت مرحلة عجيبة حقًا تلك الَّتي قضاها المسلمون أثناء حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، مرحلة اتصال السماء بالأرض اتصالًا مباشرًا ظاهرًا، مُبَلْوَرًا في أحداث وكلمات، فكان كلُّ مؤمن يبيت وهو يشعر أن عين الله ترقبه، وأن سمع الله يناله، وأن كلَّ كلمة منه وكلَّ حركة، بل وكلَّ خاطر قد يصبح مكشوفًا للناس ويتنزَّل في شأنه قرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان كلُّ مؤمن يُحِسُّ الصلة القوية الَّتي تربطه بربِّه، فإذا أصابه أمر أو واجهته معضلة انتظر أن تُفتح أبواب السماء ليتنزَّل منها حلٌّ لمعضلته، أو فتوى في أمره، أو قضاء في شأنه.
والنصُّ القرآني هنا يُغفل أسماء الأشخاص، ليصوِّر نماذج البشر وأنماط الطباع، ويُغفل تفصيلات الحوادث وجزئيَّات الوقائع، ليصوِّر القيم الثابتة والسنن الباقية، الَّتي لا تنتهي بانتهاء الحدث، ولا تنقطع بذهاب الأشخاص، بل تبقى قاعدة ومثلًا لكلِّ جيل. فهو يهتمُّ بربط المواقف والحوادث بقدر الله المسيطر على الأحداث والأشخاص، ويُظهر فيها يد الله القادرة وتدبيره الحكيم، ويقف عند كلِّ مرحلة من مراحل الدعوة للتوجيه والتعقيب، والربط بالأصل الكبير. فالقرآن الكريم معدٌّ للعمل لا في وسط محدَّد ولا في تاريخ معيَّن، بل هو معدٌّ للعمل دائمًا كلَّما واجه المرء مثل هذا الحدث أو شبهه مادامت الحياة، وفي مختلف البيئات، بالقوَّة نفسها الَّتي عمل بها في حياة المجموعة الأولى. والأحداث الَّتي مرَّ بها المسلمون الأوائل طبعتهم بطبائع مختلفة، لكنَّها إيجابية، وأوَّلها وأهمُّها الوفاء بالعهد مع الله. فكان كلُّ من يريد أن يرتقي سُلَّم الإيمان يعاهد الله تعالى عهدًا لا ينكث فيه ولا يتراجع عنه، على أن يسخِّر إمكاناته الجسدية والفكرية والروحية جميعها، وكذلك وقته كلَّه للعمل البنَّاء الدائم والمستمر لما فيه سعادة الإنسانية، وبما يُرضي الله تعالى عنه. وقد صدقوا بعهدهم، فمنهم من قضى نحبه أي وفَّى بعهده وهلك في سبيل مبدئه، كأنس بن النضر رضي الله عنه الَّذي عاهد الله على قتال أعداء الحقِّ حتَّى الرمق الأخير في حياته؛ فوفَّى بعهده في معركة أُحد، حيث أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن أنس رضي الله عنه قال: (غاب عمِّي أنس بن النضر عن بدر، فكبُر عليه، فقال: أوَّل مشهد قد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غِبت عنه. لئن أراني الله مشهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرينَّ الله ما أصنع، فشهد يوم أحد فقاتل حتَّى قُتل، فَوُجِدَ في جسده بضع وثمانون من بين ضربة، وطعنة ورمية) . ومنهم