بالله أو أشدَّ تعلُّقًا، فيطيعهم بمعصية الله ويرضيهم بسخطه، وتكون العاقبة هي الانحراف أكثر فأكثر عن سبيل الله. فسبيل الله واحد لا يتعدَّد، وإفراده بالعبادة والتوجُّه والحبِّ هو وحده الطريق إليه، والعقيدة في الله لا تحتمل معه شريكًا في القلب، كائنًا من كان، لا مال ولا ولد ولا صديق ولا قريب، فأيُّما مشاركة قامت في القلب من هذا النوع وأمثاله، فهي من قبيل اتخاذ أنداد مع الله، وضلال عن سبيله، تؤول بصاحبها إلى النار بعد قليل من التمتُّع في هذه الأرض. وكلُّ متاع مهما طال قليل، وأيام الفرد على هذه الأرض معدودة مهما عُمِّر، بل إن حياة الجنس البشري كلِّه على الأرض، متاع قليل، إذا قيست بأعمار بقية مخلوقات الله الكونية. روي أن أبا الدرداء رضي الله عنه قال: (ياأيُّها الناس! ألا تستحون؟ إلى متى تؤمِّلون ما لا تبلغون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون؟ إن من كان قبلكم أمَّلوا بعيدًا، وبنَوْا مشيدًا، وجمعوا كثيرًا، فأصبح أملهم غرورًا، وجمعهم بورًا، ومساكنهم قبورًا) .
وبعد الانتهاء من عرض الصورة المظلمة، للإنسان اللاهي المنصرف عن ربِّه، تعرض الآية الصورة المشرقة، للإنسان الواعي المتصل بالله اتصالًا سويًا مستقيمًا، فهو قانت لربِّه، مطيع له، متوجِّه إليه، ساجد على أعتابه، قائم بين يديه، حَذِرٌ من عقابه، راجٍ لرحمته. وكلمة القانت لله فيها أربعة وجوه: فهو المطيع، وهو الخاشع، وهو القائم، وهو الداعي إلى الله. ومن ذلك كلِّه ندرك أن الصلة القويمة بالله يجب أن تكون في السرَّاء والضرَّاء، وأن الله لا يقبل إلا الإيمان الخالص من كل الشوائب.
سورة يونس (10)
قال الله تعالى: {هو الَّذي يُسيِّرُكُم في البرِّ والبحرِ حتَّى إذا كنتُمْ في الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهمْ بريحٍ طيِّبَةٍ وفرِحُوا بها جاءتها رِيْحٌ عاصفٌ وجاءهُمُ الموجُ من كلِّ مكان وظنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بهم دَعَوا الله مُخلصينَ له الدِّينَ لَئِنْ أنجيتَنَا من هذه لنكوننَّ من الشَّاكرين (22) فلمَّا أنجاهُمْ إذا هم يَبْغُونَ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ ياأيُّها النَّاسُ إنَّما بَغيُكُم على أنفسِكُمْ متاعَ الحياةِ الدُّنيا ثمَّ إلينا مَرْجِعُكُم فننبِّئُكُمْ بما كنتُمْ تعملون (23) }
ومضات:
ـ لا يمكن لسفينة الحياة أن تمضي في مسيرتها ما لم تعترضها الرياح الهادرة، وتحيط بها الأمواج العاصفة، ومهما كانت مهارة الربَّان وقدراته الفنية، فإن أعاصير القدر أشدُّ هولًا من أن يجتنبها بإمكاناته الفردية، لذا كان لابدَّ له من المساعدة الإلهية تمدُّه بالعون، وتنقذه من براثن الخوف والذعر. وإن كريم الصفات، وجميل الأخلاق، لا ينسى فضل الله حين يأتيه، بل يحمده ويشكره،