ويرعى مخلوقاته بالعطف والرعاية. أمَّا لئيم النفس خبيث الصفات، فإنه سرعان ما ينسى فضل الله عليه ومدده في وقت حاجته، فيتابع مسيرة الحياة، بالظلم والبغي والاعتداء على حقوق الناس. وهذا العنت والصلف والتسلُّط سيرتدُّ عليه بالويل والثُّبور، إِنْ عاجلًا أو في يوم تنشر فيه صحائف الأعمال، ويلقى المرء كتابًا لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها، ويفزع المجرم من سوء عمله، ويتمنَّى لو أنه كان ترابا.
في رحاب الآيات:
صفحة من صفحات الوجود تُنْشَر أمام أنظارنا بكلِّ غناها ورحابتها ونبضاتها الدافقة، بمدِّها وجزرها، تلهب خيال الإنسان، وتذكي نار القلب ليلتمس العون من الخالق العظيم، وتلفت الانتباه إلى حقيقة ربَّما غابت عن كثير من الناس، وهم مندفعون وراء تيَّار الحياة الصاخب، لعلَّهم يتوقَّفون قليلًا، يلتقطون أنفاسهم ولو للحظة وهم يقلِّبون كتاب الكون المفتوح، ويقرؤون صفحاته الزاخرة، ويأخذون منه العبرة الَّتي تنفعهم في رحلتهم القصيرة على الأرض.
إنها صورة البحر بسعته ومهابته، بهوله ورعبه، بهدوئه ووداعته، ترسمها لنا ريشة مبدعة لا تستخدم من أدوات الرسم إلا الكلمة المعبِّرة، وما أفقرها من أداة إن لم تكن صادرة عن ذاتٍ قادرة، تُخضع ما في الوجود لسلطانها. وتبدأ الريشة بالرسم فترصد حياة الإنسان الوادعة الهانئة، فتبدو كمراكب في البحر تتهادى بِزَهْوٍ وخُيَلاء، وريح طيبة تحرِّك السفن بوداعة ورفق، وعلى حين غِرَّة تقطِّب السماء جبينها، وتسري رعدة على سطح البحر، وتهبُّ الريح الهوجاء، ويعلو الموج، وتتقلقل السفينة، ويحدق الموت بمن عليها فتراهم يترنَّحون وكأنَّهم سكارى وما هم بسكارى، ولكنَّه الخطب الشديد والغرق الوشيك.
عندها، وبشكل فطري لا إرادي، تتَّجه أنظار القوم نحو السماء، وتَسْبَحُ في عالم الملكوت، ويدركون أن الله وحده هو المنقذ، فتعتريهم رعدة الرجوع إلى الحقِّ، وترتفع الأصوات بالدعاء والاستغاثة، مصطدمة بعويل الريح وعاتي الأمواج، وتتعرَّى فطرتهم ممَّا علاها من ركام البعد، ويخلع القلب حجاب الغفلة، فيتخذ عهدًا عند الله أن يثوب إليه ويؤوب، وأن يحوِّل اتجاهه من الضلال إلى الهدى، ومن الغيِّ إلى الرشد. ويأتي الأمر إلى الريح من الله الرحيم بعباده فتهدأ، وإلى البحر فيسكن، ويسكن معه كلُّ شيء بما في ذلك القلوب الَّتي تستردُّ طمأنينتها، وتواصل السفينة رحلتها وكأنَّ شيئًا لم يحدث، حتَّى إذا وصلت إلى شاطئ الأمان، ولامست أقدام الناس الأرض اليابسة، تحرَّك وحش الغفلة والأنانية في أعماقهم، فإذا هم ينسون أو يتناسون ما قطعوه من عهد لله، فيعيثون في الأرض فسادًا، ينشرون الجهل والجاهلية، ويحوِّلون فراديس العلم إلى مقابر للعقل والقلب والهداية، ويَلْبِسُون الحقَّ بالباطل ويشوِّهون كلَّ ما هو جميل، ويعتدون على