فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 400

اقترف مع العلم والإصرار، حتَّى إذا أشرف على الموت وآذنت شمسه بالمغيب، وأدرك أنه هالك، أعلن توبته بصوت خنقته حشرجات الاحتضار، وجسد يغالب أنياب الموت، كتوبة فرعون لمَّا أدركه الغرق فقال: { .. آمنتُ أَنَّهُ لا إله إلاَّ الَّذي آمنَتْ به بنو إسرائيلَ وأنا من المسلِمين} (10 يونس آية 90) ذلك أن توبته هذه هي توبة المفلس الَّذي أحاطت به خطيئته، ولم يبقَ لديه القدرة على ارتكاب المزيد من الذنوب، ولا فسحة من العمر للانقياد للهوى. وهي توبة ولدت ميتة لا رجاء منها ولا قبول لها، إذ لا يمكن لها أن تنشئ في القلب ندمًا بعد أن توقفت نبضاته، أو في الحياة تبدُّلًا بعد أن انتهى أجلها، وبالتالي فإنها لن تُحْدِثَ النتيجة المرجوَّة من التَّوبة وهي الارتقاء في الخُلُق والعودة إلى الرشاد، وهكذا يشترك العاصي المُصِرُّ؛ مع الكافر في مصير واحد، هو عذاب جهنم وبئس المصير؛ ومع ذلك: «فإن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الَّذي رواه الترمذي والحاكم وأحمد بسند صحيح.

وقدكتب تعالى على نفسه قبول توبة عباده على الرُّغم من استغنائه عنهم، فلا تنفعه توبتهم ولا تضرُّه معصيتهم، ولكنها رحمة منه وزيادة في نفعهم، فبالتَّوبة عن الأخطاء رجوع عن الفساد، وإصلاح لحياة الأفراد والمجتمع. ولو لم يشرع تعالى لهم التَّوبة لما كان لديهم الحافز على الرجوع عن أخطائهم، ولهلكوا بسبب استرسالهم في المعاصي واتِّباع الهوى، ولتصدَّعت البنية الأخلاقية للمجتمع، وانزلق أفراده وراء وسوسة الشيطان، واستسلموا لليأس والقنوط. وبهذا يكون الإسلام قد فتح أمام الإنسان العاصي بابين: باب الإصلاح بالتَّوبة والإنابة، وباب الرجاء والأمل بفضل الله تعالى وكرمه وحسن تقبُّله للمنيبين والتوَّابين، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره (أي وجده) وقد أضلَّه في أرضٍ فلاة» (متفق عليه) ذلك أن توبة العاصي تعني عودة الضالِّ إلى جادة الصواب، وهذا ما يريده تعالى لنا، فقد خلقنا لنكون سعداء آمنين في الدنيا، ثمَّ لننعم بجنَّاته وبفضله في الحياة الآخرة، لا ليشقينا في الدنيا ثمَّ يعذِّبنا في الآخرة، تنزَّه الله تعالى عن ذلك. ولهذا كلِّه ينبغي على المسلم أن ينتسب لمدارس الإيمان والتربية الروحية، ويصحب أساتذتها ليشرفوا على تربية قلبه، إلى أن يصبح قلبًا سليمًا منوَّرًا؛ يرى الحقَّ بنور الله فيتَّبِعُه، ويرى الباطل بذلك النور فيجتنبه، وبهذا ينجو من موارد الشكِّ والشبهة الَّتي قد توقعه في الخطأ من حيث لا يدري، ويصبح طريقه آمنًا فيمضي فيه مسرع الخطا قاصدًا رضوان الله. وإذا ما تعرَّض لزلَّة قدم في مسيرته، فأصاب شيئًا من الذنوب، وتلظَّى بنار الندم على اقترافها، أقبل نحو شجرة التَّوبة، وجعل يستظلُّ بظلالها الوارفة، ثمَّ يتابع مسيرته.

سورة التَّوبة (9)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت