فهرس الكتاب
عما يبدر منك من الأخطاء، الَّتي تجهل أنها أخطاء، وهذا بعض ما عناه الرسول صلى الله عليه و سلم بقوله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (متفق عليه) إلا أنه في اللحظة الَّتي تدرك فيها خطأك، فأنت مطالبٌ بالتَّوبة النصوح، الَّتي تعني الرجوع عن الخطأ وعدم العودة إليه.
فالإنسان قد يخطئ فيسيء إلى نفسه، أو إلى غيره دون علم وبحسن نية، أو تحت تأثير الضعف البشري الَّذي يعتريه كلما عُرضت أمامه صنوف الشهوات وأنواع الفتن. فإن سارع إلى استدراك ما فرَّط فيه فندم ثمَّ أَتْبع عمله السيء عملًا حسنًا، وأصلح ما نجم عنه من إفساد تاب الله عليه، ووجد أبواب رحمته مفتَّحة أمامه، وأمام جميع الخاطئين المتطهرين، إذا أنابوا إليه بتوبة صادقة، مقرونة بصلاح القلب وإصلاح الحال، مشفوعة بالتزام شرع الله القويم، بإرجاع الحقوق إلى أصحابها، سواءً منها المادية كالمال، أو المعنوية كالإساءة إلى الناس وذلك بردِّ اعتبارهم وصيانة كراماتهم. فلعلَّهم بذلك يندرجون في طائفة التائبين الَّذين استثناهم الله من عذابه وأكرمهم بمغفرته، قال تعالى: {إلاَّ من تابَ وآمنَ وعَمِلَ عملًا صالحًا فأولئكَ يُبَدِّلُ الله سيِّئاتِهِم حسناتٍ وكان الله غفورًا رحيمًا} (25 الفرقان آية 70) . لكن وللأسف الشديد فقد درج العوامُّ من الناس ـ عندما ينصحهم أهل الفضل بالكفِّ عن المعاصي والموبقات ـ على أن يقولوا: دعونا نَعِشِ الحياة كما يحلو لنا فالله غفور رحيم. إن هذه العبارة ناقصة وهي تعبِّر عن جزء من الحقيقة، فالله واسع المغفرة، بدليل قوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي الظنَّ الحسن» (رواه البخاري) ولكن الله أيضًا شديد العقاب، بدليل قوله تعالى: {ومن يبدِّل نِعمة الله منْ بعدِ ما جاءَتهُ فإن الله شديدُ العقاب} (2 البقرة آية 211) . ثمَّ إن مغفرته تعالى متاحة لمن يطلبها بصدق العزيمة، ويُصلح ما نجم عن خطئه من الفساد؛ فهل يصحُّ أن نكسر نافذة الجيران ثمَّ نقول لهم: عفوًا على كسرها دون أن نتقدَّم لإصلاحها، طامعين بسماحهم وسعة صدرهم؟. فالذنب يُحدث أثرًا في نفس مرتكبه، وفي نفوس الآخرين، ولهذا كان لابدَّ من عمل جادٍّ لإزالة آثار الخطأ سواء من صفحات قلوبنا أم من صفحات قلوب الآخرين. وهذا العمل الجادُّ هو ما نسميه بالتَّوبة، وهي تغيير مسار حياتنا من الخطأ إلى الصواب، ويكون ذلك عن طريق الندم بالقلب، والاعتذار باللسان بأن نستغفر الله، والإقلاع بالجوارح وهو الكفُّ عن الذنب وإصلاح ما نجم عنه من ضرر وإساءة للآخرين، ثمَّ الاتجاه فكرًا وقلبًا نحو حضرة الله، والعمل على إصلاح أخطاء المجتمع وعيوبه بكلِّ وسائل الحكمة والرفق واللين، وتقديم الخدمات المختلفة له، من نشرٍ للعلم، وإصلاح بين المتخاصمين وغيره، وأن يكون عملنا خالصًا لوجه الله، وابتغاء محبَّته ورضوانه.
والتَّوبة الحقيقية المثمرة ليست كلمة تقال، وإنما هي توبة النفس الَّتي يهزُّها الندم من الأعماق، فتتوب وتنيب وهي في فسحة من العمر وبحبوحة من الأمل. لا توبةَ الَّذي اقترف من الآثام ما