فهرس الكتاب
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال: «إن الله تعالى لا يتعاظمه ذنب عبده أن يغفره» (أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) ذلك أن رحمته تعالى أوسع من أن يدركها عقل بشر. روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنَّته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد» (أخرجه مسلم) .
ومن عظيم فضله تعالى في قبوله توبة العبد المذنب، نسخُ ذنبه ومحوه من كلِّ السجلات الَّتي تحفظ أعماله، روى أنس رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه و سلم أنه قال: «إذا تاب العبد تاب الله عليه، وأَنْسَى الحفظة ما كانوا كتبوا من مساوئ عمله، وأَنْسَى جوارحه ما عملت من الخطايا، وأَنْسَى مقامه من الأرض، وأَنْسَى مقامه من السماء، ليجيء يوم القيامة وليس شيء من الخلق يشهد عليه بذلك» (أخرجه ابن عساكر) . وبناء على ذلك فإن صدور أيِّ زلَّة أو هفوة من المؤمن لا يقتضي إحباط سائر عمله، أو وضعه في قائمة الهالكين؛ فإن لكلِّ جواد كبوة، ولابدَّ من إعطاء المخطئين الفرصة لمعرفة أخطائهم وتبيُّنها، حتَّى يُقِرُّوا بها، ويشعروا بالأسف والندم على ما نجم عنها من آثار سلبية، ومن ثمَّ يباشروا عملية الإصلاح والترميم من جديد. وأوَّل ما عني به الإسلام هو إصلاح أعماق النفس الإنسانية، فما على المخطئ إلا أن يتوجَّه إلى خالقه وحده، ويعترف بين يديه بتقصيره، ويُظهِرَ الرغبة بإصلاح فعلته، دونما حاجة إلى واسطة من البشر، بل إن الله ستر عليه معصيته ويكره منه أن يفضح نفسه.
والخطوة الأولى في طريق الإصلاح تتمثَّل بالإكثار من العبادات والنوافل، فقد روي عن الإمام علي كرَّم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «ما من عبد يذنب ذنبًا فيتوضَّأ فيحسن الوضوء ويصلِّي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له» (أخرجه أحمد في مسنده) ثمَّ تلا هذه الآية: {ومن يعملْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثمَّ يستغْفِرِ الله يَجِدِ الله غفورًا رحيمًا} (4 النساء آية 110) .
أمَّا الخطوة الثانية فهي الإنفاق في سبيل الله، بوجوه البرِّ كافَّة، وهذا ما يربط المرء المقصِّر بإخوانه، حيث تتوطَّد أواصر المحبَّة، وتُمَتَّنُ صلة التراحم والتوادد في المجتمع الإنساني. وقد كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يتولَّى أخذ الصدقات من المؤمنين لتوزيعها على المحتاجين، وكان من حسن حظِّهم حصولهم على دعائه عليه السَّلام لهم بالخير والبركة، مِمَّا يثلج صدورهم ويشعرهم بالأمان والاطمئنان الروحي والنفسي، ويعطيهم دفعًا إيمانيا يقوِّي إرادتهم للسيطرة على أنفسهم، وتصعيد ميولها، وهذا ما عنته الآية آنفة الذكر: {خُذْ من أموالِهِم صدقةً تُطهِّرهُم وتُزكِّيهِم بها وَصَلِّ عليهِمْ إنَّ صلاتَكَ سكنٌ لهم .. } .