فهرس الكتاب
وقد ترك الإسلام فُسْحَةً واسعة للتوبة الَّتي تنجم عن الرغبة الداخلية والإرادة المصمِّمة، وجعل لها مظهرًا عمليًا يتمثَّل في الإنفاق الخصب المجدي، لأن عدم إتاحة مثل هذه الفرص أمام المذنبين المستغفرين، يصيبهم بنوع من اليأس يشلُّ شعورهم وتفكيرهم، ثمَّ يقعدهم عن العمل والمشاركة الجماعية، لذا أتى الأمر الإلهي: {وقُلِ اعملوا} ، فالمؤمن الَّذي يعمل ويخطئ خير من الَّذي لا يعمل ولا يخطئ. وطالما أن هذا العمل سيكون مشهودًا من قبل حضرة الله ورسوله وسائر المؤمنين، فلابدَّ أنه سيكون عملًا محاطًا بالعناية والرعاية، وبملاحظة المجتمع له وتقويمه إذا اعوجَّ أو انحرف عن جادَّة الصواب، وفي يوم الحساب ستُعْرَضُ نتائج الأعمال على الله تعالى والرسول والمؤمنين لقوله تعالى: {يومئذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخفى منكم خافية} (69 الحاقة آية 18) لذلك فهم يقدِّمون أعمالهم في الحياة الدنيا، وهم في حالة من الرجاء والأمل بأن يقبل الله تعالى عملهم، ويشملهم بعفوه الكريم ويبعدهم عن عذابه، وأن يبلِّغهم مقاصدهم. روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: «ما اجتمع الرجاء والخوف في قلب امرئ مسلم عند الموت إلا أعطاه الله ما يرجو وصرف عنه ما يخاف» (أخرجه الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه وأخرجه البيهقي في الشعب عن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله عنه) .
لذلك كلِّه فلا ينبغي أن تُرفع عصا الانتقام والعقاب، في وجه المذنب والمقصِّر، طالما أن فرصة التَّوبة متاحة أمامه لينال بها من رحمة الله تعالى، قال صلى الله عليه و سلم: «جعل الله الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا. فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتَّى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه) ، وقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: «يسِّروا ولا تعسِّروا وبشِّروا ولا تنفِّروا» (متفق عليه) . فإذا تاب العبد من ذنبه وأناب فقد حقَّ على المجتمع المسلم أن يحبَّه لأن الله تعالى قد أحبَّه، وأن يدعو له بالثبات على التَّوبة، وأن لا يعيِّره بما سلف من ذنبه، وأن يتعهَّده بالرعاية والعناية فيذكِّره بالله ويعينه على الاستقامة.
سورة التحريم (66)
قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا تُوبُوا إلى الله تَوْبَةً نَصُوحًا عسى ربُّكُمْ أن يُكفِّرَ عنكم سيِّئاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهارُ يومَ لا يُخْزِي الله النَّبيَّ والَّذين آمنوا معهُ نورُهُم يسعى بين أيْدِيْهِمْ وبأيمانِهِمْ يقولون ربَّنا أتممْ لنا نُورَنَا واغفرْ لنا إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير (8) }
ومضات: