فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 400

ويغدق عليهم الخير متى أرادوا، ويتنزَّل بالشرِّ على أعدائهم متى شاؤوا، وكأنهم بذلك يتألَّهون على الله ويجعلون أنفسهم أصحاب القرار من دونه! ولكنَّهم بهذا التفكير المريض يتخبَّطون في دياجير الضلال والطغيان، ممَّا يجعلهم متسرِّعين في اتِّخاذ القرارات، فهم يستعجلون في طلب الخير، كما يستعجلون في طلب دفع الشر. وقد فُطر الإنسان على العجلة كما بيَّن القرآن الكريم ذلك حين قال تعالى: {خُلِقَ الإنسانُ من عَجَل .. } (21 الأنبياء آية 37) وما استعجاله الخير إلا لشدَّة حرصه على المنافع، أمَّا استعجاله الضُّر فلقلَّة صبره على المحن والخطوب، وكثرة الانفعالات الَّتي تعتمل في صدره، كالغضب أو الجهل أو العناد أو غير ذلك. فقد يدعو الإنسان على نفسه أو ماله أو ولده حين الغضب أو اليأس، ولكنَّ لله جلَّ وعلا قوانينه الَّتي تغاير انفعالات البشر، فهو الحليم، المتجاوز عن السيِّئات، وهو الربُّ الرحيم الَّذي يعرف أين تكمن مصلحة عباده، ولو أنه استجاب لدعائهم لأهلكهم، لذلك يقول صلى الله عليه و سلم: «لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم» (رواه مسلم في صحيحه) . والتعجيل في طلب الشرِّ من قبل الإنسان لم يقتصر على شؤونه الخاصَّة بل تعدَّاها إلى علاقته بأنبياء الله ورسله، فما إن يدعو رسولٌ قومه إلى الإيمان بالله، ويحذِّرهم من عاقبة تكذيبه، حتَّى يسخروا منه ويطلبوا تعجيل العقوبة الَّتي يتوعَّدهم بها، وقد سجَّل القرآن الكريم ذلك فقال تعالى: {ويقولونَ متى هذا الوعدُ إن كنتم صادقين} (67 الملك آية 25) ، وقال أيضًا: {وإذ قالوا اللَّهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندكَ فأمْطِر علينا حجارةً من السَّماءِ أو ائْتِنا بعذابٍ أليمٍ} (8 الأنفال آية 32) فهؤلاء لا يرجون لقاء الله، ولا يخافون وعيده، لذلك فإن الله يمهلهم ويتركهم يخوضون ويلعبون، وقد يغترُّون بحلم الله، ويحسبونه عاجزًا عن ردع مخالفاتهم، ولكنَّ إمهال الله إمَّا أن يكون استدراجًا لهم، أو رأفة بهم عسى أن يتنبَّهوا فينيبوا إلى الرحمن ويتوبوا، أو يخرج من أصلابهم من يوحِّد الله.

سورة النحل (16)

قال الله تعالى: {ولو يُؤاخِذُ الله النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عليها من دابَّةٍ ولكن يُؤخِّرُهُمْ إلى أجلٍ مسمىً فإذا جاءَ أجلُهُمْ لا يستئخِرُون ساعةً ولا يستقدِمُون (61) }

ومضات:

ـ الله حليم حكيم، لا يعجِّل عقابه للكافرين بنعمه ورسالاته، بل يمهلهم إلى أجل مسمَّى لا يتأخر لحظة واحدة عن موعده الَّذي يقرِّره جلَّ وعلا. وما تأخير الله إنزال عقابه إلا رحمة بالمقصِّرين عسى أن يستدركوا ويتوبوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت