فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 400

في رحاب الآيات:

يختلف قانون العقوبات السماوي عن القانون الوضعي البشري بشموليَّته لحياة الإنسان الخاصَّة والعامَّة، وحتَّى بشموله لتفكيره ونواياه، وكلِّ كلمة تنبس بها شفتاه! كما أنه يختلف في توقيته لتنفيذ العقوبة. والإسلام لا يتهاون تجاه من يخطئ بحقِّ غيره، بل لقد شرع قوانين مشدَّدة رادعة بحق المخالفين من أجل بثِّ الطمأنينة داخل المجتمع الإنساني؛ فلا سرقة ولا خمرة، ولا زنا ولا ربا، ولا اعتداء بالقتل ولا بغيره. وكذلك حمى المحصنات من القذف، والأعراض من الهتك، ومنع شهادة الزور، وحذَّر من التلاعب بأرزاق العباد، أو احتكارها، أو الغشِّ فيها، وحثَّ على رعاية الفقير وعيادة المريض، ومساعدة الغريب وابن السبيل. ولكنْ هل استجاب الناس جميعًا لتعاليم الله؟. إن ما يرتكبه الناس من كفر بأنعم الله، ومن شرٍّ وفساد في الأرض، لهو نتيجة انحرافهم عن تعاليمه عزَّ وجل، ولو عجَّل بمؤاخذتهم لأهلكهم جميعًا.

ولكنَّ الله تعالى لا يؤاخذ المقصِّرين إلا بعد أن يعطيهم فسحة من الوقت، فإذا قصَّروا في أمورهم التعبديَّة، أو بحقِّ أنفسهم، أو بحقِّ غيرهم، منحهم مهلة عساهم يعودون إلى جادَّة الصواب، ويعوِّضون ما فاتهم ويصلحون ما أفسدوا؛ فإن أصرُّوا على الذنوب واستكبروا أوقع بهم عقابه في الزمان والمكان اللَّذَيْن يختارهما.

والتأخير يكون على أنواع: فقد يؤخِّرهم أفرادًا إلى أجلهم الفردي كلٌّ بحسب تماديه وفحشه، وقد يؤخِّرهم جماعات إلى أجلهم في الخلافة المقدَّرة لهم، إلى أن يسلِّموها إلى جيل آخر، وقد يؤخِّرهم جنسًا إلى أجلهم المحدَّد لعمر هذا العالم ومجيء الساعة الكبرى، ويفسح لهم الفرصة علَّهم يحسنون صنعًا، فإذا حلَّ ذلك الأجل فإن الله يجازي المكلَّفين بما عملوا من خير أو شر، لا يخفى عليه من أمرهم شيء، دقَّ أو جلَّ، ظهر أو استتر.

وفي الآية الكريمة إشارة إلى أنه ما من إنسان إلا ويصدر منه ما يستوجب المؤاخذة، ولكنَّ الله تعالى بفضله ورحمته يمهل ثمَّ يؤاخذ من كان مصرًّا على عناده وتقصيره، ويعفو عمَّن تاب وأناب، تأكيدًا لحلمه وسعة صبره، فإن رحمته قد سبقت غضبه، وهو يمهل العبد لكنَّه لا يهمله؛ بل يأخذه بالعذاب في أجله المحدَّد، فلكل أمَّة أجل ولكل أجل كتاب.

سورة الأنعام (6)

قال الله تعالى: {قُلْ هوَ القَادِرُ على أن يَبْعَثَ عليكُمْ عذابًا من فَوْقِكُمْ أو من تحتِ أرْجُلِكُمْ أو يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ويُذِيْقَ بعضَكُمْ بأسَ بعضٍ انظرْ كيف نُصرِّفُ الآياتِ لعلَّهم يفقهون (65) }

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت