فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 400

ومضات:

ـ بعد أن يتأكَّد الإنسان من عظمة الخالق عزَّ وجل وقدرته، عليه أن يستوعب التعاليم الإلهيَّة الَّتي يجب أن يلتزم بها، والَّتي وضعها الله تعالى لمصلحة الإنسان وسعادته، وأيُّ تقصير في تنفيذ هذه التعاليم يؤدِّي إلى خلل في المجتمع الإنساني، فإذا كثر التمادي والتخريب كان لابدَّ من العقوبات الإلهيَّة لإصلاح هذا الخلل.

في رحاب الآيات:

بيَّن الله سبحانه وتعالى خطَّ المسيرة لآدم وذرِّيته، منذ أَمَرَهُ بالهبوط إلى الأرض، وهو أن يتَّبعوا منهج الله فقال: {قُلنَا اهبِطُوا منها جميعًا فإمَّا يأتِيَنَّكُمْ منِّي هُدىً فمن تَبِعَ هُدايَ فلا خوفٌ عليهِمْ ولا همْ يحزنون} (2 البقرة آية 38) إذن في حال الالتزام أمنٌ وسرور، وفي حال المخالفة خوفٌ وحزن.

وأوَّل نموذج للمخالفة هو مخالفة آدم عليه السَّلام، حين أكل هو وزوجه من الشجرة فبدت لهما سوآتهما، (والسوأة هي العورة، والعورة هي ما لا يحبُّ الإنسان المؤمن كشفه على الآخرين إمَّا لأنه مخجل أو لأنه مخزي) ، وأيُّ عورة في المجتمع إذا بحثتَ عن أسبابها، وجدتَ أنها حدثت بسبب مخالفة مبدأ من مبادئ الله في الأرض. والله ليس بعاجز عن تأديب المخالفين والمقصِّرين، المتهاونين بشريعته، والأمثلة في تاريخ الإنسانية كثيرة، وقد أورد القرآن الكريم جانبًا منها، فمن هؤلاء من انصبَّ عليهم العذاب من فوقهم، كالرجم بالحجارة والطوفان، والصيحة، والريح، كما فُعل بعاد وثمود وأقوام شعيب ولوط ونوح عليهم السَّلام. ومنهم من فاجأهم العذاب من تحت أرجلهم، كالخسف والزلزال، والرجفة، والبركان، كما فُعل بقارون، وأصحاب مَدْيَن.

ومنهم من يُسلِّط الله عليه عذابًا أشدَّ وأقسى هو العذاب النفسي، حيث يعيش الإنسان المخالف في دوَّامة، يفترسه الألم، وينهشه الحزن، ولا يعرف سبيلًا للخلاص. وقد يُسلِّط الله بعض المنحرفين على بعض، فكم من ظالم يتمادى في ظلمه، أو طاغية يستبدُّ بطغيانه، ويستمتع بخيرات الآخرين مستعينًا بالحديد والنار لِكَمِّ أفواه المعارضين، وكم من دول تسلَّطت على أخرى ونهبت ثرواتها وتركتها تعاني شظف العيش والحرمان. وقد يجعل الله المنحرفين فِرَقًا متناحرة، متحاربة، أهواؤهم شتَّى، ومذاهبهم مختلفة وغير ذلك.

وتصوير الآية للعذاب بأنه يأتيهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فيه من الرعب والإثارة ما فيه، فهو عذاب عامٌّ، شامل، غامر، يحيق بصاحبه، ولا يدع له مجالًا للحركة أو الهرب، ولو كان العذاب يأتيهم فقط عن يمين أو عن شمال لكان وقعه أخف، إذ بوسع المخالف أن يجد ملاذًا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت