الناس، ولا ينازع في المكان، ولا يضيِّق على أحد في الصفِّ، ولا يمرُّ بين يدي مصلٍّ، ولا يبصق، ولا يتنخَّم، ولا يفرقع أصابعه، ولا يعبث بشيء من جسده، وأن يُنزِّهه عن النجاسات والصبيان والمجانين وإقامة الحدود، وأن يُكثر فيه ذِكر الله تعالى ولا يغفل عنه، فإذا فعل هذه الخصال فقد أدَّى حقَّ المسجد، وكان المسجد حرزًا له، وحصنًا من الشيطان الرجيم.
والله تعالى يصف عباده المؤمنين الَّذين يعمرون المساجد، بأنهم رجال لا تشغلهم الدنيا وزخرفها، ولا بيعهم وتجارتهم عن ذِكر ربِّهم، وهو خالقهم ورازقهم، إذ يعلمون أن ما عنده خير لهم وأنفع ممَّا في أيديهم، فما عندهم ينفد وما عند الله باق. وهم يؤدُّون الصَّلاة في مواقيتها على الوجه الَّذي رسمه الدِّين، ويؤتون الزَّكاة المفروضة عليهم تطهيرًا لأموالهم وأنفسهم من الأرجاس. وليس في ذلك انصراف عن الدنيا، بل إنهم يجمعون بين الدِّين والدُّنيا معًا، بشكل متوازن متساوٍ ومتكافئ، فالرجل الصالح يعمل في البيع والشراء بهمَّة ومقدرة وذكاء، ويملك الدنيا بيده دون أن يتعلَّق بها قلبه المحصَّن بذِكر الله على الدوام، فإذا أوشك القلب أن ينشغل عن الله تأتي الصَّلاة القويمة لتعيده إلى طريق الذِّكر، وتغرس في حناياه مخافة يومٍ شديد البأس، تنفطر فيه القلوب وتزيغ الأبصار، هلعًا ورهبةً من محكمة ربِّ العالمين. ورعاية المسلم لأقربائه وأقرانه، وسائر أفراد مجتمعه، وخاصَّة الفقراء والمحتاجين منهم؛ يخفِّف عنه بأس هذا اليوم.
ويبيِّن الله تعالى في هذه الآية للمؤمنين، مآل أمرهم وحسن عاقبتهم، فيقول: {ليجزيَهُمُ الله أحسنَ ما عملوا} أي على ما يقدِّمون من قربات محفوفة بالخوف من عذاب الله يوم القيامة، والرجاء في تقبُّل تلك القربات، كالتسبيح والذِّكر وإيتاء الزكاة، إلا أن الله لا يضيع أجر المحسنين، فيثيبهم على ما فعلوا من حسنات، وأعمال صالحة. وقد بيَّن الله حالهم تلك في قوله: {إنَّا نخافُ من ربِّنا يومًا عَبوسًا قَمْطَريرًا * فَوَقَاهُمُ الله شرَّ ذلك اليومِ ولقَّاهُمْ نَضْرَةً وسرورًا * وجزاهُمْ بما صبروا جَنَّةً وحريرًا} (76 الإنسان آية 10 ـ 12) . وفي قوله تعالى: {ليجزيَهُمُ الله أحسنَ ما عملوا} إيحاء إلى أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفر لهم، أي يجزيهم على الإحسان إحسانًا، وعلى الإساءة عفوًا وغفرانًا، قال تعالى: {من جاءَ بالحسنةِ فله عشرُ أمثالها .. } (6 الأنعام آية 160) وقال أيضًا: {للَّذين أحسنوا الحُسنى وزيادة .. } (10 يونس آية 26) وقال في حديث قدسي: «أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه) ثمَّ نبَّه الله تعالى إلى كمال قدرته وعظيم جوده، وسعة إحسانه بقوله: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} أي يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم، ويزيدهم من الفضل الَّذي لا حدَّ له، في مقابل امتثالهم له، وخوفهم من قهره وشديد عذابه.
سورة التوبة (9)