الأمانات الأخرى، فمن حفظ حقَّ الله حفظ حقوق عباده، الَّتي تتطلَّب ردَّ الودائع إلى أهلها، وكتم أسرارهم، وستر عيوبهم، والبعد عن الغش في البيع، وترك التطفيف في الكيل والوزن وغير ذلك؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أحمد وابن حِبَّان عن أنس t: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» . ويدخل في هذا الإطار أمانة العلماء مع العامَّة، بأن يرشدوهم إلى مبادئ وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم من أمور التربية الحسنة، والكسب الحلال، ومن المواعظ والأحكام الَّتي تقوِّي إيمانهم، وتنقذهم من الشرور والآثام، وترغِّبهم في عمل الخير، وتبعدهم عن التعصُّبات الباطلة الَّتي تمزِّق صفوفهم وتضعف شوكتهم، وكذلك أمانة الزوجة مع الزوج بحفظ ماله وعرضه وسرِّه.
أمَّا الأمر بالعدل بين الناس، فالنصُّ يطلقه عدلًا شاملًا بين الناس جميعًا، فهو حقٌّ لكلِّ إنسان بوصفه إنسانًا، وهو أساس الحكم في الإسلام، وقيمة أخلاقية عليا. ذلك أن إقامة الحقِّ والعدل هي الَّتي تشيع الطمأنينة، وتنشر الأمن، وتوثِّق علاقات الأفراد، وتنمِّي الثقة فيما بينهم، وتحقِّق الرخاء في المجتمع، وتدعم أوضاعه فلا يتعرَّض لخلخلة أو اضطراب.
إنَّ مهمَّة رسل الله تحقيق العدل، وكذلك وظيفة أتباعهم في السير على هذا النهج، كي تبقى الشرائع تُظِلُّ الناس بظلِّها الظليل، بحيث يتحقَّق العدل بإيصال كلِّ ذي حقٍّ إلى حقِّه، والحكم بمقتضى ما شرع الله من أحكام، وبتجنُّب الهوى في القسمة بين الناس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن ـ وكلتا يديه يمين ـ الَّذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا» (رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص t) . وقد أُمِرَ المسلمون وخاصَّة الولاة والقضاة، بالعدل في الأحكام والأقوال والأفعال، لأنه فوَّض إليهم أمر النظر في مصالح العباد، يقول الله تعالى: { .. وإذا قُلتُمْ فاعدِلوا ولو كان ذا قُرْبى .. } (6 الأنعام آية 152) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس t: «لا تزال هذه الأمَّة بخير، ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استُرحمت رحمت» (أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده وأبو يعلى الموصلي في مسنده أيضًا) .
وأخيرًا فإن الله تعالى لا يأمر عباده إلا بما فيه صلاحهم وفلاحهم وسعادتهم في الدارين، فعليهم أن يَعملوا بأوامره، فهو أعلم منهم بالمسموعات والمرئيات، فإذا حكموا بالعدل فهو سميع لذلك الحكم، وإذا أدَّوْا الأمانة فهو بصير بذلك، وفي هذا وعد عظيم للمطيع، ووعيد شديد للعاصي، وفي ذلك إشارة إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (رواه مسلم عن عمر t) .
سورة الأنفال (8)