فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 400

قال الله تعالى: {إنَّا عَرَضْنَا الأمانَةَ على السَّمواتِ والأرضِ والجبالِ فأبَيْنَ أن يحمِلْنَها وأشفَقْنَ منها وحمَلَها الإنسانُ إنَّه كان ظَلُومًا جَهُولا (72) }

سورة الأحزاب (33)

وقال أيضًا: {ياأيُّها الَّذين آمنوا لا تخونوا الله والرَّسولَ وتخونوا أماناتِكُمْ وأنتم تعلمون (27) }

ومضات:

ـ أشار الله تعالى إلى ثقل الأمانة وعظم مسؤوليتها، حيث رمز إلى أن لها وزنًا معنويًا، لا تستطيع السموات والأرض والجبال الرواسي أن تحمله، لأنها تتعلَّق بأداء الحقوق إلى أصحابها سواء منها المادية أم المعنوية.

ـ ينبغي على الإنسان أن يدرك عظم الأمانة المنوطة به قبل أن يتعهَّدها، حتَّى يحسن تقدير تبعاتها، ويعمل على حفظها؛ فأيُّ إساءة بتأديتها تخلُّ بإيمانه بالله ورسوله، فيسيء بذلك إلى نفسه ومجتمعه.

في رحاب الآيات:

إن حمل الأمانة يعني صيانتها والقيام بأعبائها وتكاليفها، فهي تحتاج إلى وعاء يستوعبها، ولا تضيق جوانبه باحتوائها، وهذا الوعاء هو العقل وحريَّة الإرادة؛ لذلك اختار الله الإنسان ـ على ضعفه ـ لحملها، في حين عجز ما في الكون من أجرام عظام عن حملها، وخشي من التقصير في أدائها؛ فقد روى الترمذي عن ابن عباس t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى لآدم: ياآدم، إني عرضت الأمانة على السموات والأرض، فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها، فقال: وما فيها يارب؟ قال: إن حملتها أُجرت، وإن ضيَّعتها عُذِّبت، فاحْتَمَلَها بما فيها، ولم يلبث في الجنَّة إلا قدر ما بين الصَّلاة الأولى إلى العصر، حتَّى أخرجه الشيطان منها» . فلا الجبال الرواسي، ولا السموات الطباق، ولا الأراضي المرساة مؤهَّلة لهذه المهمَّة، لذلك ارتعشت ارتعاشة الخوف والقلق حين عرضها الله تعالى عليها، فهي لا تملك المقوِّمات لتَحَمُّل هذه التبعات. وهذا هو الفرق بينها وبين الإنسان، فهو حرٌّ يملك العقل، وبالعقل يستوعب ويفهم ويدرك ما يُلقى إليه، وبالحريَّة يتمكن من اختيار ما يشاء منه ويلتزم به. لذلك كان مصير هذه المخلوقات الَّتي اعتذرت عن حمل الأمانة إلى فناء وزوال، بينما كان مصير الإنسان إلى خلود في الجنَّة أو في النار، وفقًا لحسن اختياره أو سوئه. لذا ينبغي عليه ألا يكون ضيِّق الأفق، محدود التفكير، وأن يمعن النظر في حجم الأمانة وعظيم مسؤولياتها، فيعدُّ نفسه ويتهيَّأ للنهوض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت