فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 400

بأعبائها والقيام بواجباتها، فيصونها ولا يضيِّعها، وعليه أن يدرك مقدار ضغط الشهوات ونوازع النفس ومتاهات الهوى ونزغات الشيطان، فلا يأمن جانبها ويركن إلى الغرور؛ حتَّى إذا تعرَّض لشيء من ذلك وجد نفسه أسيرًا لها عاجزًا عن القيام بأعبائها فيخونها، ويخون بذلك نفسه ويلقي بها إلى التهلكة.

والأمانة بمفهومها الواسع هي المسؤولية العظيمة الملقاة على كاهل الإنسان في اختياره للطريق الَّذي يسلكه في حياته، وتقدير نتائج هذا الاختيار وتحمُّل عواقبه كاملة. فهو بين خيارين: إمَّا الامتثال لأمر الله، والنهوض بتكاليف الأمانة بالتعب والنصب، وإمَّا الاستسلام لنوازع النفس والركون إلى الأهواء ومعصية الله تعالى. وهذا هو المحكُّ لاستسلامه لأمر الله أو تمرُّده عليه، وهنا مفترق الطرق حيث يُفْرَزُ الناس إلى فريقين: فريق يقصِّر في حمل الأمانة فيفشل في الامتحان ويخسر نفسه، وفريق يحملها بعزم وصلابة، ويصل إلى المعرفة العميقة بالله، ويهتدي لنواميسه في مخلوقاته، فيطيعه الطاعة الكاملة بإرادته الكاملة. وهذه ميزة الإنسان المؤمن الفاضل على كثير ممَّن خلق الله، لذلك كان محلَّ التكريم الَّذي أعلنه الله تعالى في قرآنه الكريم حيث قال سبحانه: {ولقد كرَّمنا بني آدمَ وحملناهُمْ في البرِّ والبحر ورزقناهُمْ من الطَّيِّباتِ وفضَّلناهُمْ على كثيرٍ ممَّن خلقنا تفضيلًا} (17 الإسراء آية 70) .

وأعظم أمانة هي أمانة الإيمان والتَّوحيد لله عزَّ وجل، فقضية التَّوحيد هي المحور الَّذي تتمركز عليه عقيدة الإنسان وتدور حوله التكاليف جميعها، وتحت هذه الأمانة تندرج كلُّ أمانات الإنسان مع محيطه، ومنها: أمانة العلم، فالعلم لديه أمانة وهو مسؤول عنه ومؤاخذ عليه من قِبَل الله تعالى إن لم يعلِّمه للناس؛ فعن أبي هريرة t أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سُئِلَ عن علمٍ فكتمه ألجمه الله بلجامٍ من نار يوم القيامة» (رواه أبو داود والترمذي) ، وإن الحواسَّ الَّتي جعلها الله وسائل تسهم في تزويد عقولنا بالمعارف أمانة، ونحن مسؤولون عنها وعن تنمية عقلنا بالعلم والمعرفة، قال تعالى: { .. إن السَّمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان عنه مسؤولًا} (17 الإسراء آية 36) وقال أيضًا: {أفلم يسيروا في الأرضِ فتكونَ لهم قلوبٌ يعْقلون بها أو آذانٌ يسمعونَ بها فإنَّها لا تَعمى الأبصارُ ولكن تعمى القلوبُ الَّتي في الصُّدور} (22 الحج آية 46) . وجسدُنا أمانة وعلينا أن نطعمه ونغذِّيه حلالًا طيِّبًا، وبالقدر الَّذي أمرنا به الله تعالى بقوله: { .. وكلوا واشربوا ولا تُسرفوا إنَّه لا يحبُّ المسرفين} (7 الأعراف آية 31) . ونحن بوصفنا آباءً وأمَّهاتٍ مؤتمنون على أُسَرنا، ومكلَّفون بالإنفاق عليها وحمايتها، وتربية أفرادها التربية الإسلامية المثلى، يقول صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيته» (رواه البخاري) ، وعملنا أمانة بين أيدينا، ونحن مسؤولون عن القيام بجميع ما يتطلَّبه من الالتزامات بتجرُّد وإتقان، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحبُّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (رواه أبو يعلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت