وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها)، وما يودعه الناس لدينا على سبيل الأمانة فنحن مسؤولون عن ردِّه إليهم. والسرُّ الَّذي يستأمننا عليه إنسان، أمانة، وما يدور بين الزوج وزوجته، أمانة، وينبغي عليهما حفظه وعدم هتك الستر عنه، أخرج أحمد وعبد بن حُمَيْد ومسلم عن أبي سعيد الخدري t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه ثمَّ ينشر سرَّها» .
ولعظم شأن الأمانة فقد اعتبرت خيانة إحدى هذه الأمانات في نظر الشرع خيانة لله ولرسوله، لذلك قال تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا لا تخونوا الله والرَّسولَ وتخونوا أماناتِكُمْ وأنتم تعلمون} فالأمانة والخيانة قطبان متنافران، وخطَّان متوازيان لا يلتقيان مهما طال الطريق وتطاول الزمن. وممَّا يُرَسِّخُ في النفس الإحساس بجلال قدر الأمانة وعظمتها أن القرآن الكريم وصف سفير الرحمن جبريل عليه السَّلام بأنه الأمين فقال: {نَزَلَ به الرُّوحُ الأمين} (26 الشعراء آية 193) ، كما بيَّن في أكثر من موضع أن رسل الله عليهم الصَّلاة والسَّلام أمناء، وأشار سبحانه وتعالى إلى أن كلًا من هود ونوح وصالح ولوط وشعيب عليهم السَّلام قد قال لقومه: {إنِّي لكم رسولٌ أمين} (26 الشعراء آية 107) .
فالأمانة سِمَةُ الأبرار والأطهار الَّذين سمعوا تعاليم الله ووعوها، فروَّضوا أنفسهم على النهوض بتكاليف الرسالة السماوية، فلا تصرفهم عن غايتهم نزغات الشيطان، أو وساوس النفس الأمَّارة بالسوء، أو فتنة الدنيا بشتَّى إغراءاتها. أمَّا الخيانة فهي سِمَة الكفَّار والفجَّار الَّذين شغلتهم احتياجات وجودهم الجسدي المحسوس عن حياتهم الروحية، فهم في شغل دائم لإروائها لا يفرِّقون في ذلك بين حلال ولا حرام، ولا بين عدل أو ظلم؛ فخانوا بذلك أمانة الله وخانوا أرواحهم بحجبها عن نور الله، وخانوا قلوبهم بإهمالها فعبثت بها الشهوات، وعشَّشت في زواياها الذنوب والأهواء، فكانوا من الخاسرين الَّذين خسروا نعيم الآخرة، فَحَسْبُهُمْ جهنَّم وبئس المصير.