الإنسان في أحسن تقويم، وزوَّده بالعقل، ومنحه الإرادة والقوَّة ليتمكَّن من التعايش مع الآخرين وكسب العيش؛ كذلك قدَّر قوانين الرزق والعطاء، وخلق الأسباب والمسببات لئلا يتواكل الناس، وينقطعوا عن السعيِّ والعمل. فكما أن الله قدَّر هذه الأشياء فأحكم التقدير، فكذلك قدَّر وجود الطبقات الاجتماعية المتفاوتة الَّتي لا يدلُّ وجودها على فساد تركيبة المجتمع، ولا يعني تفضيل قوم على قوم، بل هي أقوام مسخَّرة لخدمة بعضها بعضًا، تتساوى جميعها في الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية، كما تتساوى أمام الله في الجزاء على العمل والعبادة، فتعمل بشكل منسجم يتمِّم بعضها بعضًا، بحيث يشعر كلٌّ في موقعه بالسرور والقناعة إذا أدَّى دوره المنوط به بنجاح وإتقان.
فالسبق الحقيقي هو لمن أحسن عمله، واستقامت سيرته، وأبلى البلاء الحسن فيما يرضي الله عنه دون طغيان أو إخلال بموازين الأمانة والمسؤولية والشرف. والحكمة الكامنة في التفاوت بين الناس، وفي جميع العصور والبيئات، هي أن يتَّخِذ كلُّ فرد موقعه في معركة الحياة، حسب مواهبه ومقدرته، وحين يسير دولاب الحياة يُسَخَّرُ بعض الناس لبعضهم حتمًا. وليس هذا التسخير مثار استعلاء طبقة على طبقة، أو فرد على فرد، بل هو توزيع للوظائف الحياتيَّة المطلوبة على كلِّ أفراد المجتمع، لتتوازن أمور الناس وتقضى حوائجهم، ويتابعون جميعهم مسيرة الإعمار. وهكذا فالكلُّ مسخَّرون للخلافة في الأرض بهذا التفاوت في المواهب والاستعدادات، والاختلاف في الأعمال والأرزاق، قال الله تعالى: { .. هوَ أنشَأكُمْ من الأرضِ واستعمَركُم فيها .. } (11 هود آية 61) وقال سبحانه: {وهوَ الَّذي جعلَكُم خلائِفَ الأرضِ ورفعَ بَعضكُمْ فوقَ بعضٍ درجاتٍ ليبْلُوَكُمْ في ما آتاكُمْ .. } (6 الأنعام آية 165) .
لقد سار الإسلام بالمجتمع في هذه التعاليم إلى العدالة الاجتماعية المطلقة والسعادة الحقيقية، فقد نفى وجود العوز والفاقة في ظلال هذا التمايز بين الناس غنىً وفقرًا، واستطاع أن يصل بهم جميعًا إلى حدِّ الغنى، وقضى على مشكلة الفقر عمليًا. ففي عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لم يبقَ في المجتمع فقير محتاج إلى الزَّكاة، وبذلك أثبت الإسلام صحَّة نظريته عملًا وتطبيقًا. فلو كان جميع الناس على مستوى فكري واجتماعي واحد لما أمكن أن تقوم الحياة بهذه الصورة، ولبقيت أعمال كثيرة جدًا معطَّلة لا تجد لها منجزًا. وإن الَّذي خلق الحياة هو الَّذي خلق الاستعدادات متفاوتة بتفاوت الأدوار المطلوب أداؤها، وبمقابل هذا التباين يتباين الرزق، وهكذا تسير الأمور في الاتجاه الصحيح. إن الله الَّذي مكَّن الغنيَّ من المال ومنعه عن الفقير؛ ابتلى كلًا منهما واختبره، فهل يشكر الغنيُّ نعمة الله فيضمن كفاية الفقير فيفوز في الاختبار؟ وهل يصبر الفقير على الفقر فينجح في الامتحان؟ أم أنَّ أحدهما أو كليهما يتنكَّر لقدر الله فتكون الخسارة العظمى؟. إن الله يصيب برحمته من يشاء من عباده وفق ما تقتضي حكمته سبحانه، ولا علاقة