القلوب بالتَّوبة من كلِّ ذنب والتَّجافي عن كلِّ خطيئة، وتحرِّر الإنسان من سلطة الشيطان الَّتي يسعى إلى إحكامها عليه بإلقائه في براثن اليأس والقنوط والشعور المدمِّر بالذنب. فمن طبيعة البشر أنَّهم يخطئون ومن حلم الله ورأفته بخلقه أنه يعفو ويغفر، لمن تاب بصدق، وأصلح كلَّ ضرر نجم عن ذنب ارتكبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: يا بن آدم! إنَّك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي. يا بن آدم! لو بَلَغَتْ ذنوبك عَنان السَّماء ثمَّ استغفرتني، غفرتُ لك ولا أبالي. يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثمَّ لقيتني لا تُشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة» (أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه) .
وهكذا فتح الله تعالى باب المغفرة والعفو على سعته أمام الإنسان، فما عليه إلا أن يطرقه كلَّما شعر بالعزم على النَّدم والتَّوبة، داعيًا وسائلًا ربَّه القبول بقوله: «اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفو فاعفُ عني» (رواه الإمام أحمد عن عبد اللّه بن بريدة عن عائشة رضي الله عنها) ، كما علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول، مقرنين القول بالتطهر والإصلاح.
ـ مالك الملك، ذو الجلال والإكرام:
قال تعالى: {قُلِ اللَّهم مالكَ المُلْكِ تُؤْتي المُلْكَ من تشاءُ وتَنْزِع المُلْكَ ممَّن تشاء .. } (3 آل عمران آية 26) .
وقال أيضًا: {كُلُّ مَن عليها فان * ويبقى وجهُ ربِّكَ ذو الجَّلال والإكرام} (55 الرحمن آية 26 ـ 27) .
مالك الملك: الَّذي يتصرَّف في ملكه كما يشاء، ويسيِّر الأمور فيه كما يريد؛ وفق قوانين ثابتة تلتزم بها مخلوقاته وتسير عليها وله أن يخرقها متى شاء، لا مردَّ لقضائه ولا معقِّب لحكمه.
ذو الجلال والإكرام: أي المتَّصف بصفات التنزيه والكمال، وصاحب العظمة والجاه والمتفضِّل على عباده بالإحسان والعطاء.
ويُستحبُّ للمؤمن أن يكثر ـ أثناء دعائه ـ من تكرار هذه الصفة لله تعالى (يا ذا الجلال والإكرام) لتكون ثناءً على الله، واعترافًا وإقرارًا بعظمته. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه: «أَلِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام» أي الزموا ذلك في الدعاء وأَلِحُّوا بذكره. ومرَّ النبي صلى الله عليه وسلم برجل، وهو يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام فقال: «قد استُجيب لك» (رواه الترمذي عن معاذ رضي الله عنه) .
فتبارك الله ذو الجلال والإكرام؛ إليه يرجع الفضل في الإنعام على عباده؛ فهو الجدير بالإجلال فلا يُعصى، والتكريم فلا يُجحد، والشُّكر فلا يُكفر، والذِّكر فلا يُنسى.