آيات الإعجاز في خلق الله لا حصر لها ولا عدَّ، وهي مبثوثة في كلِّ ناحية من نواحي هذا الكون الفسيح؛ فالإنسان ذاته آية، والسماء وما أظلَّت آية، والأرض وما أقلَّت آية .. وغيرها كثير، وما على الإنسان إلا أن يفتح عينيه متأمِّلًا ليرى، ويصغي بأذنيه متعقِّلًا ليسمع، فيتفتَّح قلبه، وتتنوَّر بصيرته، ويحدث التَّماسُّ بينه وبين الإيمان بخالق هذه الآيات العظام.
إن هذه الآية الَّتي ذَكرتْ خلق السموات والأرض ماثلة للعيان، قائمة تشهد بذاتها على ما جاء به الوحي، وهي لا تحتمل جدلًا أو ريبة، لأنها قاطعة في دلالتها، تخاطب الفطرة الَّتي تشهد بأن الَّذي أنشأ هذه الآيات ودبَّرها لا يمكن أن يكون الإنسان ولا أي مخلوق غيره، مِن خلق الله أجمعين، لأن ضخامتها الهائلة، وتناسقها الدقيق، ونظامها المضطرد، ووحدة نواميسها الثابتة، كلُّ ذلك لا يمكن تفسيره عقلًا إلا على أساس الإيمان بوجود إله أنشأها ويدبِّرها. والفطرة السليمة تتلقَّى هذا المنطق عن الكون تلقِّيًا مباشرًا، وتدركه وتطمئنُّ إليه قبل أن تسمع عنه كلمة واحدة.
وتنطوي آية خلق السموات والأرض على آية أخرى في ثناياها يُجملها عزَّ وجل بقوله: { .. وما بثَّ فيهما من دابَّة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} فهذه الأحياء المبثوثة في كلِّ مكان، فوق سطح الأرض، وفي أعماق البحر، وفي أجواء الفضاء وفي الكواكب الأخرى، والَّتي لا يعلم الإنسان عنها إلا النَّزْرَ اليسير، يجمعها الله حين يشاء للمحاسبة، ومعها خلائق أخرى أربى عددًا وأخفى مكانًا، وليس بين بثِّها في السموات والأرض وبين جمعها إلا كلمة (كُنْ) يأمر بها الله عزَّ وجل فإذا هي منصاعة لأمر ربِّها، فتبارك الله العظيم القدير.
ومن ذلك كلِّه ندرك أن الله تعالى يبيِّن الدلائل والبراهين لعباده ليؤمنوا به ويُقبلوا عليه، فيفوزوا برضاه، ويكونوا من سعداء الدارين.
وجملة القول إن الآيات الكونية تحثُّ كلَّ من يحجب عقله عن البحث في علوم الله المودعة في هذا الكون العظيم، على شقِّ الحجاب والانطلاق إلى العلم والمعرفة. فمن يتفهَّم ما جاء في القرآن الكريم تتَّضح له المعاني العلمية الَّتي تضمَّنها، وكلَّما ازداد الرَّكْب الحضاري تقدُّمًا، والعلوم ازدهارًا، كلَّما تبيَّن تَطابُق ذلك التقدُّم والازدهار مع ما لفت القرآن الكريم الأنظار إليه. وهذا ما سنلاحظه في محتويات هذا الباب، من خلال دراستنا لنصوص قرآنية تتعلَّق بخلق الكون وما أوجد الله تعالى فيه من مخلوقات وعوالم. وهو يتضمَّن فصولًا أربعة، نعرضها فيما يلي:
الفصل الأوَّل: خلق الكون
الفصل الثاني: خلق الملائكة
الفصل الثالث: خلق الجن
الفصل الرابع: خلق الإنسان