/ ومضات:
ـ شاء الله تعالى أن يستمع وفد من الجنِّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو آيات من كتاب الله، فجلسوا منصتين بتفكُّر واعتبار؛ حتَّى أدركوا أهمِّية ما سمعوا، وبدا عليهم التأثُّر الشديد به، فأسرعوا إلى قومهم يخبرونهم بهذا الحدث العظيم، وقصُّوا عليهم أنهم سمعوا قرآنا يوافق ويصدِّق ما أُنزل على موسى، يُشِعُّ بنور الهداية، وتحمل تعاليمه البُنَى الأساسية للطريق الموصل إلى الحق والسعادة.
ـ دعوة هؤلاء النَّفر أقوامهم وترغيبهم بالاستجابة لهذه الدعوة المباركة تعتبر دليلًا عمليًا على شدة تأثرهم. لقد آثروا الإيمان بها تصديقًا وعملًا، لينالوا المغفرة، ويُثابوا بالأمن من عذاب الله. كما أنذروا أقوامهم بأنَّ من يُعرِض أو يتخلَّف عن الاستجابة لنداء الله، فإنه لن يجد قوَّة تحميه وتنجيه منه، وليس له من وليٍّ ولا نصير، وهو في متاهات الضياع مشرَّد محزون.
/ في رحاب الآيات:
يؤمن المسلمون بوجود مخلوقات غير مرئيَّة تعيش في الكوكب الأرضي يُسَمَّوْن بالجنِّ، وهم يعيشون من حولنا دون أن يملكوا القدرة على التصرُّف أو التدخُّل في أمورنا. وبعض هؤلاء الجن يؤمنون بالله وبالرِّسالات السماوية، أمَّا بعضهم الآخر فكافرون قد جنَّدوا أنفسهم أعوانًا لإبليس. وقد قدِّر لجماعة من الجن أن يستمعوا القرآن يُتلى من فم الرسول عليه السلام، فكان هذا تدبيرًا من الله تعالى وليس مصادفة عابرة، ليعلموا بنبأ تلك الرِّسالة فيؤمنوا بها وينجوا بذلك من النار المعدَّة لشياطين الجنِّ والإنس.
والنصُّ القرآني السابق ينقل لنا صورة هؤلاء النَّفر وهم يستمعون القرآن، ويبيِّن ما وقع في رَوْعهم من التأثُّر والرَّهبة والخشوع بعد سماعه، فعندما حضروه قالوا: {أنصتوا} ، ومن البدهي أنه لا يمكن لأحد أن يعي ما يستمع إليه، ما لم ينصت بإمعان وتدبُّر ورويَّة، فكيف بكتاب الله؟ وحالما أنصتوا إليه آمنوا، وبمجرَّد إيمانهم هُرِعُوا إلى قومهم منذرين ومعلِّمين ناصحين، وهذا حال المؤمن الصادق في سرعة التبليغ. وفي هذا تعزية للرسول عليه السلام على ما لقيه في ذلك الحين من صدود أهل الطائف وإعراضهم عن دعوته وإيذائهم له، وإعلام له بأن الله لا يخذل رسله، فإن أعرض المعرضون عن كتابه وعن نبيِّه استكبارًا وحسدًا، أو بغيًا وجهلًا، فإن السُّعداء الموفَّقين يستجيبون حُبًّا وتصديقًا، وإيمانًا ومعرفة.
ولعل هذا ما يفسِّر استجابة الكثير من الغربيين وغيرهم للإسلام في عصرنا الحالي. فما كان إقبالهم على هذا الدِّين وإيمانهم به إلا نتيجة قراءتهم للقرآن الكريم قراءة التَّمعن والتبصُّر،