والدراسة الكلِّية الجادة؛ فكانت سببًا في اختراق النور الإلهي إلى أعماق قلوبهم، فاهتدوا بهدي الله وآمنوا برسالة نبيِّه محمَّد صلى الله عليه وسلم.
ثمَّ وَلَّى الجنُّ إلى قومهم مسرعين بعد أن أدركوا الصِّلة بين التَّوراة والقرآن بمجرَّد سماعهم لبعض آياتٍ منه، ربَّما لم يكن فيها ذكر لموسى عليه السلام أو لكتابه، إلا أنَّ طبيعتها توحي بأنها تصدر من النَّبع ذاته الَّذي فاض منه كتاب موسى. وشهادة هؤلاء الجن ذات دلالة واضحة على صدق إيمانهم، فقد قالوا لقومهم: ياقومنا! إنا سمعنا كتابًا أنزله الله بعد توراة موسى، يصدِّق ما قبله من كتب الله الَّتي أنزلها على رسله، ويرشد إلى سبيل الحق السوي، وإلى رضا الله تعالى.
لقد عرفوا أن الإيمان والاستجابة لله يُتَوَّجان بغفران الذَّنْب والنَّجاة من العذاب، فاستبشروا وبَشَّروا بالَّذي عرفوه، بعد أن أيقنوا أن نزول هذا الكتاب إلى الأرض إنما هو دعوة من الله لكلِّ من بلغهُ من إنس وجن، وأدركوا أن محمَّدًا صلى الله عليه وسلم داعٍ إلى الله؛ فنادَوْا قومهم: {ياقومنا أجيبوا داعيَ الله وآمنوا به} ليقينهم أنَّ من لا يُجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما دعا إليه من التوحيد والعمل بطاعته، فليس بمنجاة من عذاب الله حين يشاء عقابه، ولن يجد له من ينصره ويدفع عنه العذاب، بعد أن بلغ الغاية في الضلال والبعد عن الصِّراط السَّوي. فطريق الحقِّ واضح، والوصول إليه ميسور لمن يقصده، وقد أثِمَ مَنْ جانَبَهُ وأعرض عنه، وكذلك يأثم من عرفه وقصَّر في الدلالة عليه.