للمؤمن أن يجعل من نيَّته وقصده في جميع أعماله ونشاطاته، وفي سائر شؤون حياته، رضاء الله والتقرُّب إليه.
أمَّا قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حِيْنٌ من الدَّهر لم يَكن شيئًا مذكورًا * إنا خَلَقنا الإنسان من نُطفةٍ أمْشَاجٍ نَبْتلِيهِ فجعلناه سميعًا بصيرًا} ، ففيه تقرير بمرور مرحلة سابقة على وجود الإنسان لم يكن فيها شيئًا يُذكر، ولم يكن آدم وبنوه يتمتَّعون بوجود أو حياة أو استقرار على وجه الأرض. وقد تأكَّدت هذه الحقيقة من قِبَلِ علماء طبقات الأرض الَّذين قالوا: لم يوجَد الإنسان على الأرض إلا بعد خلقها بأحقابٍ طوال. ولو أن الإنسان وُجد بعامل التطور الطبيعي، كما يدعي بعضهم، لاحتاج ذلك ملايين السنين زيادة عن عمر الأرض ... لذلك لا يُعقل أن يكون الإنسان وما حوله من كائنات قد تطوروا في فراغ، ثمَّ هبطوا على الأرض بعد اكتمال نموها الجيولوجي.
ثمَّ تأتي الآية ببيان عن خلق الإنسان وتكاثر نوعه ـ بعد خلق آدم ـ بواسطة مادَّة واحدة مختلطة ممتزجة بين ماءيِّ الرجل والمرأة، لتحقِّق الإرادة والغاية من هذا الخلق؛ وهي ابتلاء الإنسان واختباره بالخير والشَّر، بعد أن أمدَّه الله وزوَّده بطاقات الفهم والوعي والإدراك والتخاطب، بواسطة السمع والبصر واللسان، ليتمكَّن من حمل أمانة التكليف الَّتي شرَّفه الله بها، وليستطيع اجتياز الامتحان بالفوز والفلاح. وعلى هذا تكون الدنيا دار الابتلاء، والآخرة دار الجزاء قال تعالى: { .. ليَجْزِي الَّذين أساؤوا بما عملوا ويَجْزِي الَّذين أحسنوا بالحُسنى} (53 النجم آية 31) .
فالإنسان العاقل الموفَّق، هو من يسلك سبيل الهدى بعد أن بيَّنه الله له ورغَّبه فيه، ويجتنب سبيل الضلال الَّذي وضَّحه له وحذَّره منه، ومنحه أوَّلًا وآخرًا حرية الاختيار لأيٍّ من السبيلين شاء، قال تعالى: {إنَّا هَدَيْناه السَّبيل إمَّا شاكرًا وإمَّا كفورًا} (76 الإنسان آية 3) . وقد أخرج أبو داود وابن جرير والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { .. لِيَبلُوَكم أيُّكُم أحسنُ عملًا .. } (67 الملك آية 2) فقلت ما معنى ذلك يارسول الله؟ قال: ليبلوكم أيُّكم أحسن عقلًا. ثمَّ قال: وأحسنكم عقلًا أورعكم عن محارم الله، وأعلمكم بطاعة الله» .
فمن خلال هذه الآيات وما سبقها يتبيَّن لنا أن الله تعالى قد خلق الناس وأوجدهم ليمتحنهم ويختبرهم أيُّهم أخلص عبوديَّة له، وأحسن عملًا لنفسه، مع علمه الأزلي بما هو كائن وبما سيكون منهم.
وهنا قد نجد من يقول: لماذا الاختبار، ولماذا الثواب والعقاب والنتيجة معروفة لله تعالى مسبقًا؟ والجواب: أن الاختبار مرتبط بعلم الله الأزلي بما هو كائن وبما سيكون، وإن عقل الإنسان