فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 400

كم هو مؤسف أن يتطاول الصغير على الكبير، والضعيف على القوي، وأن يُدْبِرَ الإنسان العاجز؛ عن أمر ربِّه القاهر مشيحًا عنه، معرضًا عن دعوته، فالله تعالى يناديه وهو يضع أصابعه في أذنيه مستعليًا، ويكشف له الحقيقة فيتعامى مستكبرًا، يخاطب أشرف ما فيه، عقله وقلبه ووجدانه، فيُوصِد الأبواب ليخمد صوت الحقِّ الَّذي ينبعث من أعماقه!.

أيُّ عقوق وجحود؛ هذا الَّذي ينزلق الإنسان إليه تجاه خالقه؟! أوَ يظنُّ أنه خُلق عبثًا، ووجِد في الحياة ليلهو ويمرح فحسب؟ أم يظنُّ أن ضوابط الله هي قيود تجرح اعتزازه بالحرية والاستقلاليَّة؟ أيحسب أن كوابح الغريزة والهوى، الَّتي صاغتها الحكمة الإلهية، سلاسل تشدُّه إلى الأرض وتمنعه من الانطلاق كما يحلو له؟.

إن الضوابط الإلهية، والقوانين السماوية تنظيم لحياة الإنسان وتنسيق لمشاعره، وتهذيب لسلوكه، وتحريك للسرِّ الإلهي المُوْدَع بين جنبيه ليعلو فوق النَّوازع والشهوات، فتسمو الروح لتهيمن على كيانه، فتصبح مصدر انطلاقه نحو مرضاة ربِّه، والعروج درجات في معالي الكمال.

وبشيء من الرويَّة والصبر والتأمُّل، وبشيء من ومضات الصدق النفسي، يتوصَّل الإنسان إلى هذه الحقيقة، الَّتي قد يقضي عمره باحثًا عنها، وهي منه قاب قوسين أو أدنى! وإذا ما شاء أن يدركها فما عليه إلا أن يشرع بفتح أبواب عقله وقلبه لاستقبال تعاليم الله، والانقياد لها كما هي؛ لأنها من لَدُن مشرِّع حكيم يعلم مصلحته ويعلم سرَّ سعادته.

وبشيء من التواضع لعظمة الله، والرضا بما شرعه، سيُفتح أمامه باب واسع من المعرفة الَّتي تتولَّد عنها السَّكينةُ والطمأنينة، فمن تواضع لله رفعه، ومن رضي بما أمر به ألبسه ثوب الرضا الَّذي تكمن السعادة المنشودة بين طيَّاته.

والسؤال الَّذي يطرح نفسه: لو أن غابات الأرض كلَّها شبَّ فيها الحريق، وعلا اللهيب، واشتدَّ السعير، فهل يتمكَّن أهل الأرض جميعًا أن يطفئوا هذا الأَتُّون بماءٍ؛ ملؤوا به أفواههم، ثمَّ أخذوا يرشُّونَهُ على هذه النار؟ إذا كان الجواب لا، فهل بوسع المغرضين الجاحدين أن يطفئوا نورًا أراد الله له أن يسطع، ويشعَّ على الثقلين، هدايةً ورشدًا، إنه نور الله تعالى، إنه كتابه الخالد، القرآن الكريم، الَّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد؛ الَّذي ارتضاه الله لعباده وتولَّى حفظه بوعده: {إنَّا نحن نَزَّلنا الذِّكْر وإنَّا له لَحَافظون} (15 الحجر آية 9) . وإذا كان الأمر كذلك فأنَّى لهؤلاء ـ ولو كانت معهم قوى المخلوقات كلِّها ـ أن يمنعوا أمرًا أذِنَ الله بانتشاره وبقائه؟ لقد حاولوا ذلك في كلِّ مناسبة، ويأبى الله إلا إتمام نوره وإفشال محاولاتهم وإحباط مؤامراتهم. ومع ذلك فإنهم لم يلقوا أسلحتهم ويستسلموا، بل راحوا يشهرون سلاحًا تلو الآخر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت