كالفتنة والدَّسِّ والوقيعة لمحاولة إطفاء هذا النور الإلهي ومنع انتشاره والَّذي تكمن فيه سعادة الإنسان وأمنه. إن هؤلاء: إمَّا ملحدون يريدون اقتلاع الإيمان من جذوره، أو مشركون يريدون السَطْوَ على قلوب المؤمنين ليشوِّهوا نور الإيمان فيها، ويزرعوا بدلًا عنه ما ابتدعوا من خرافات وأوهام، أو انتهازيون يدافعون عن مصالحهم، فهم لا يتوانون عن بذل الغالي والنفيس، في سبيل كسب قلوب الناس، وخطب ودِّهم بباطل يلبس لَبُوس الحقِّ، من أجل الحفاظ على مكاسبهم. وقد اتَّخذت محاولاتهم مظاهر كثيرة عبر مسيرة التاريخ، واتخذت طابعًا دمويًّا في كثير من الأحيان، فرافقها اضطهاد المؤمنين وتعذيبهم لكنَّ الغلبة في نهاية المطاف هي دائمًا للحقِّ وأنصاره.
وما كانت وسوسة إبليس لآدم لإخراجه من الجنَّة، إلا ليحرمه من النعمة الكبرى، وهي الهداية لنور الله، وما أكثر ما يتكَرَّر سقوط الإنسان فيُحجب عنه النور الإلهي الساطع أبدًا، إمَّا لجهله أو لتعنُّته، وفي كلتا الحالتين فإن القلوب هي الَّتي تعمى فلا تدرك ذاك النور القدسي، وليس النور هو الَّذي يتراجع أو يندحر. فما يكون للنور الإلهي أن تنطفئ شعلته، أو تخمد جذوته، لأنه نور الله الأبدي السرمدي الباقي على الدَّوام، وأمَّا المبطِلُون فإلى زوال، يندثرون وتُطوى أباطيلهم ويغيب فِسْقُهم، ويبقى الله الواحد الأحد، الفرد الصمد.
وما أُرْسِلَتِ الرسل جميعًا إلا لتُوقِد شعلة الإيمان في القلوب، ولتأخذ بيد الإنسان بحنان، لتهديه إلى النور الإلهي، الَّذي لا يتسرَّب إلى قلبٍ إلا ويفارقه الشقاء إلى الأبد، ولتجسِّد دستور الله في الأرض بمعناه الواسع الشامل وهو الاستسلام لحضرة الله، ذلك الدستور الَّذي دعا إليه جميع الرسل، بدءًا من آدم وإبراهيم، ومرورًا بموسى وعيسى، وانتهاءً بمحمَّد صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: {شَرَعَ لكم من الدِّينِ ما وصَّى به نوحًا والَّذي أَوحينا إليك وما وصَّينا به إبراهيمَ وموسى وعيسى أن أَقِيموا الدِّينَ ولا تتفرَّقوا فيه .. } (42 الشورى آية 13) . إنه دستور يقوم على الصدق والعدل، والهداية والإنابة في أصل كلِّ رسالة سماوية، وبِغَضِّ النظر عما طرأ على ذلك الأصل من تحريف وتبديل. ولهذا كان من مهامِّ الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعيد للرسالات السابقة ضياءها ونقاءها، وأن يزيل عنها الدخائل الَّتي شوَّهتها وحرَّفتها عن المسار الَّذي اختاره الله لعباده، ويتمِّم التشريعات الَّتي تكفل سعادة الإنسان وأمنه واستقراره، وعُلُوَّ شأنه في دنياه وآخرته.
سورة الأنعام (6)
قال الله تعالى: {أَوَ مَنْ كان مَيْتًا فأحييناهُ وجعلنا له نورًا يمشي به في النَّاس كَمَنْ مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ ليس بخارجٍ منها كذلك زُيِّنَ للكافرين ما كانوا يَعْمَلُون (122) }