ومضات:
ـ إن إنكار وجود الله والبعد عنه، هو انفصال عن القوَّة الفاعلة المؤثِّرة في الوجود كلِّه، وهو حجابٌ للروح، وختمٌ على الجوارح والمشاعر، وهذا هو الموت الحقيقي وفق المفهوم البعيد عن ظاهرة موت الجسد؛ أمَّا الإيمانُ بالله، فهو على النقيض من ذلك، إنَّه تفتُّح ورؤية، ويقظة وحياة، ونور وهدى.
ـ الكفر هو طفرة ضالَّة لا وشائج لها ولا ركائز توصلها إلى الحقِّ والإيمان، لذا فهو موت الإحساس بالله. ولا يخفى أن الكافر هو مرتع الكفر، أمَّا المؤمن ـ وهو المتصل بالله المعتصم بحبله المتين ــ فإنه يحيا بالله، ويفيض بالحبِّ والخير على قلوب الخلائق فيحييها معه؛ لذلك فهو دوحة الإيمان.
ـ لكلٍّ من الهداية والضلال، علامات فيزيولوجية، تتمثَّل في انشراح الصدر للهداية، وانقباضه للضلال. وهي مؤشرات ربَّانية زُوِّدَ الإنسان بها، ليدرك ردود الفعل الَّتي تدور في أعماقه، وليفسِّرها على ضوء تعاليم الله وإرشاداته.
في رحاب الآيات:
الموت نوعان: موت ظاهري وآخر حقيقي. أمَّا الموت الظاهري: فهو الموت الَّذي يعرفه عامَّة الناس، وهو انطفاء شعلة الحياة في الجسد، وتحوُّله إلى كتلة هامدة آيلة إلى التفسُّخ والاندثار. وأمَّا الموت الحقيقي: فهو انقطاع المدد النوراني الإلهي، وانحطاط أخلاقي في الإنسان، مع استمراريَّة حياة الجسد، وهذا هو الموت بمفهوم الشرائع السماوية، ذلك لأنه تبلُّد للإحساس والمشاعر الإيمانية، وانقطاع للصلة القدسية بين العبد والخالق المعبود، ينتج عنه قيام حجاب بينه وبين الوجود الروحي، يؤدِّي إلى جفاف قلبه، ونضوب ماء الحياة الحقيقية في أعماقه.
وهنا تشتدُّ الحاجة إلى مهمَّة الأنبياء والمرشدين، والَّتي تتمثَّل في إيقاد شعلة الحياة في القلوب، ليستيقظ حسُّها الإنساني وشعورها بالله، وبالتالي لتقود النفس ـ بجملة أهوائها ورغباتها ـ في طريق متوازنة معتدلة وفق تعاليم الشريعة المطهَّرة. وسبيلهم إلى ذلك هو تلقيح أرواح المؤمنين بنور الإيمان الحقيقي المثمر، القادر على الإنتاج والعطاء.
فالإيمان هو الَّذي أحيا نفوس المؤمنين الأوائل، وطهَّرها من الحسد والحقد، والكِبْر والعُجْب، وزكَّاها من الفسق والظلم، والقسوة والأنانية. وهو الَّذي حفز هممهم، فطلبوا معالي الأمور،