ووطَّنوا أنفسهم على العمل الدؤوب لهداية الأمم وتحريرها من الخرافات، وتطهير الأرض من الكفر والفساد. وهو الَّذي مكَّن المسلمين الأوَّلين من الظفر بالعلم والعمل والابتكار والإبداع، وإقامة الحضارة الَّتي شعَّ نورها في الآفاق، وعمَّ خيرها مشارق الأرض ومغاربها، في مدَّة زمنيَّة قياسية لم تتجاوز القرن. قال أحد المؤرخين الأوربيين: [إن مَلَكة الإبداع لا يتمُّ تكوينها لأمَّة من الأمم الناهضة إلا في ثلاثة أجيال، أوَّلها: جيل التقليد، وثانيها: جيل الخضرمة، وثالثها: جيل الاستقلال والاختصاص، إلا العرب وحدهم، فقد استحكمت لهم ملكة الإبداع في الجيل الأوَّل الَّذي بدؤوا فيه بمزاولتها] .
وإذا كان للإيمان هذه الثمار الطيِّبة في حياة الإنسان وسلوكه، فإن الكفر على النَّقيض من ذلك، إذ هو موت الروح والمشاعر، والضياع المدمِّر لشخصية الإنسان، والمبطل للصالح والخيِّر من أعماله، والقاضي على خصائصه بصفته خليفةً لله في أرضه. إذ أن الكافر بالقيم السماوية، غالبًا ما يكون كافرًا بالقيم الأخلاقية والمُثُل الرفيعة، لذلك فهو لا يقصد من وراء عمله رسالة كريمة، ولا غاية نبيلة؛ لأنه يكفر بما أوحاه الله تعالى إلى أنبيائه ورسله من تعاليم، أُثبتت مصداقيَّتها في التَّطبيق العملي، ويُشيح بوجهه عن صوت الحقِّ ونداء العقل، فلا يفكِّر ولا يتأمَّل، فيهوي بنفسه إلى مستويات أسوأ من مستوى الحيوان؛ وذلك بتعطيل ما كرَّمه الله به، وهو العقل والتفكير، فتُغلَق منافذ الإدراك لديه، وتتلاشى مواهبه ويتعطَّل سمعه وبصره عن فهم الحقيقة الكاملة للمُوْجِد والوجود، ويصبح قلبه موصدًا تجاه ومضات الإيمان الباهرة ممَّا يجعله يتخبَّط في الظلام على غير هدى، فيتولَّد في داخله جدل عقيم، غير معتمد على دليل أو حُجَّة، وإنما بدافع الكِبْر والاستعلاء. فإذا انقطع دليلهوبطلت حُجته حقد على الشرائع وتبرَّم منها وامتلأ صدره غيظًا من حمَلتها وحقدًا عليهم. ومن الطبيعي أنه بعد ذلك ينفر من الرسل والرسالات ومن الدعوة والدعاة، فلا يصغي إليهم بفؤاده ولا يستمع إليهم بأذنيه، ولا يلتفت إلى الحقِّ، مهما ظهرت أدِلَّته، ووضحت معالمه وحجَّته. ومتى وصل إلى هذه الدرجة، أُغلق قلبه، وحيل بينه وبين النور الإلهي، فاعترته الحيرة، وساورته الشكوك ولزمه الضلال والضيق، فيشعر بروحه حبيسة داخل جسده، عاجزة عن الارتقاء أو الانطلاق، تقيِّدها شروره وتثنيها آثامه؛ ذلك لأنه أضاع عمره جريًا وراء سراب، وعاش حياته بين جدران ضيِّقة، هي جدران العالم المادي فقط. فهو لا يؤمن إلا بما يمكن لعينه أن تراه، ولا يعتقد بوجود السعادة إلا مع اللذَّات وإرواء الشهوات الحسيَّة فحسب، ولا يُقْدِم على عمل صالح إلا إذا أيقن أنه سيحصل على نظير مادي مقابله. فإذا جاءه الداعية إلى الإيمان، وعرض عليه أن يستبدل بتجارته الخاسرة تلك، تجارة رابحة مضمونة، تحقِّق له سعادة الدَّارين، لوى عُنُقَه، وضاقت أنفاسه، وتسارعت نبضات قلبه، كأنَّما يحلِّق في طبقات الجوِّ العليا. ونظرًا لشدة تراكم هذه الظلمات بعضها فوق بعض، يصبح القلب خاويًا خَرِبًا لحرمانه من نعيم الصلة بالله عزَّ وجل