حرَّمه الله، ويحرِّم ما أحلَّه له من خيرات الأرض وأرزاقها، وفي هذا تضييع للثَّروة الطبيعيَّة وهدر للنعم الإلهية، وتعطيل وتجميد لها، ممَّا يعود على المجتمع بأسوأ النتائج الاقتصادية والاجتماعية ... ولا تنحصر الإساءة بالمجتمع وحده، بل تتعدَّاه إلى الاعتداء على شريعة الله وتحريف رسالته الحنيفة وإفسادها؛ لأن هؤلاء ينسبون إلى الله ما لم يشرِّعه لهم، ويتقوَّلون عليه ما لم يتنزَّل من لَدُنْه في شأن التحليل والتحريم، ممَّا يوقع بعض الناس في أباطيل هذه الشرائع، المشوَّهة المفتراة، والَّتي يظنُّون أنها من عند الله، إلا أن علاَّم الغيوب سبحانه عرَّفنا غواية الشيطان من خلال الحديث القدسي: «إنِّي خلقت عبادي حُنَفَاءَ فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم (صرفتهم) عن دينهم وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم» (رواه مسلم) .
فشرُّ عدوٍّ للإنسان هو الشيطان، فمتى استرسل مع هذا العدوِّ، أنكر نِعَم الله وبدَّدها، أو وضعها في غير مواضعها. فإن لم يرجع إلى الله ويَزِنِ الأمور بميزان الشرع والعقل والحكمة، تتحوَّل النعمة إلى نقمة، والمنحة إلى محنة، والنعيم إلى جحيم دائم في الدنيا والآخرة.
سورة الأنعام (6)
قال الله تعالى: {وكذلك جعلنا لكلِّ نبيٍّ عدوًّا شَياطينَ الإنسِ والجنِّ يُوحي بعضُهُم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القولِ غُرورًا ولو شاءَ ربُّكَ ما فعلُوهُ فَذَرهُم وما يَفترون (112) }
ومضات:
ـ لابُدَّ لكلِّ حديقة ـ ذات وَرْدٍ فَوَّاح ـ من أشواك وأعشاب غريبة تظهر وتتطاول بين رياحينها. ولابُدَّ لكلِّ صاحب رسالة سماويَّة من أن يواجه قوى مخرِّبة تربض حوله، لتنشر الفساد والإفساد، وهذا ما وظَّف له مفسدو الإنس والجنِّ أنفسهم؛ إذ يطمحون إلى إيجاد مظاهر مقنعة من الكلام المعسول، ولا يهدأ بالُهم حتَّى تتحقَّق أهدافهم بانتشار الجهل والتأخُّر في سائر أنحاء المعمورة.
ـ إن الإيمان لَيَزْدَاد تألُّقًا كلَّما حاول أحد إطفاء نوره، وهذه إرادة الله في تمييز الصالحين من المُدَّعين الدجَّالين، وفي إحقاق الحقِّ وقطع دابر المفسدين.
في رحاب الآيات:
إن الصراع بين الخير والشرِّ قائم منذ بدء الخليقة وحتَّى قيام الساعة، وهو صراع بين النفس المطمئنة الَّتي يقودها العقل الإيماني الرشيد، والنفس الدنيئة الأمَّارة بالسوء، وما عقل الإنسان إلا منارة تهديه سواء السبيل، وتعصمه من الزلل، ولكنَّ النفس الخبيثة كثيرًا ما تسيطر على العقل، وتسيِّره وفق أهوائها فتَضِلُّ وتُضِلُّ صاحبها معها. ولهذا كانت الرسالات السماوية تتوالى تباعًا في