فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 400

كلِّ عصر وجيل؛ لتقوم بدورها في هداية البشرية إلى الحقِّ، وللعمل على تحريك العقول، وشحذ الهمم، وتطهير النفوس، وإنقاذ الناس من المضلِّلين الغاوين الَّذين يقفون في وجه دعوة الأنبياء والمصلحين، ويعملون على إثارة الفتن بين صفوف المؤمنين، وهم الأعداء الألِدَّاء من شياطين الإنس والجنِّ أجمعين. فقد أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ياأبا ذر تعوَّذْ بالله من شرِّ شياطين الجنِّ والإنس، قال: يانبي الله وهل للإنس شياطين قال: نعم» . وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجنِّ، قيل: ولا أنت يارسول الله، قال: ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم» (رواه مسلم) فهؤلاء الشياطين من الجنِّ والإنس الَّذين كانوا ومازالوا أعداءً لكلِّ نبي، ولكلِّ مصلح، هم الَّذين يحاولون خداع المؤمنين بالقول المزخرف ويدُسُّون السُّم في الدَّسم. وقد يكون شياطين الإنس أشدَّ وطأة وخطرًا على المرء من شياطين الجن، كما يقول أحد الصالحين: [إني إذا تعوَّذت بالله ذهب عني شيطان الجنِّ، وشيطان الإنس يجيئني فيجرُّني إلى المعاصي عيانًا] ، وإن الشيطان من الجنِّ، إذا أعياه المؤمن، ذهب إلى متمرِّد من الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه.

إذن فالمعركة مستمرَّة، والمتآمرون كُثُر، والمؤمن في مواجهة خصوم شرسين، ولكنَّ أرباب القلوب لا يُصغون إلى وساوس هذه العصابة، بل كلَّما اشتدت عليهم عداوة الأعداء، تمتَّنت جذور الإيمان في أعماقهم. وعلى الرُّغم من ضراوة هذه المعركة ومساوئها، فإن لها ميزة بالغة الأهمية، وهي أنها تفرز العناصر المؤمنة المسؤولة الواعية، الَّتي سلكت طريق الإيمان، بحسٍّ روحي وعقل متفتِّح، لتقف في مواجهة قوى الشرِّ، وتكون لها الرِّيادة في المجتمع للسير به نحو السعادة المثلى، وتصبح فئة ذات هيبة تُرْهِبُ الشياطين فضلًا عن الأعداء والأشرار الإنسيين، وهذا ما أكَّده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «والله إن الشيطان لَيَفِرُّ منك ياعمر» (رواه مسلم) .

فلكلِّ فئة من المؤمنين معادون ومعاندون، كما كان للأنبياء والرسل من قبلهم؛ وذلك لأنَّهم سلكوا نهجهم. إلا أن الله عزَّ وجل قد أوصى نبيَّه، وكلَّ من يتَّبعه، بأن يستمروا في إشادة صرح الإيمان، واثقين مطمئنين بوعد الله لهم بالنصرة والتأييد والسعادة، والخزي والخذلان والشقاء للمكذِّبين المخادعين، فالمكر السَّيء لا يحيق إلا بأهله، والعاقبة للتَّقوى، قال تعالى: {ولقد سَبَقَتْ كَلِمتنا لِعبَادِنا المُرسَلِين* إنَّهم لَهُمُ المنْصُورون * وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغَالِبون} (37 الصافات آية 171 ـ 173) فالمؤمن في جهاد مستمر ومعركة قائمة، بين الشيطان وما والاه من القوى الشرِّيرة، وبين الإيمان وما يصاحبه من الصفات الخيِّرة إلى أن يلقى الله، فيظفر بالجنان ولذَّة النظر إلى الرحمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت