الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الكلام على النبوة وأجزائها مما يحتاج إلى مجالس متنوعة، والنبوة منزلتها علية ورفيعة، ويكفي في ذلك أن الله جل وعلا جعل التكليف منها وإليها، وحفظ الله سبحانه وتعالى الدين لهذه الأمة، فلا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وذلك أن الله جل وعلا قد تكفل بحفظ أصله، كما قال الله جل وعلا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] ، فامتن الله جل وعلا على هذه الأمة بأن حفظ لها دينها بحفظ كتابها، الذي جعله الله سبحانه وتعالى فيصلًا وفرقانًا وتبيانًا وهدى لكل من أراد الهداية، ومن أراد الزيغ والضلال والتيه فإنه يستمسك بالهوى، ويتخذ إلهه هواه، وربما تمسك بشيء من ظواهر الأدلة من كلام الله جل وعلا، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضل وزاغ؛ لأنه أراد الهوى قبل أن ينظر في النص، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7] ، فإذا كان ذلك في الوحي المنزل من كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نظر الإنسان إليه بريبة، أو أراد أن يؤكد في ذلك هوى، فإنه فيما دونه مما لم يكن تبيانًا ولا هدىً ويحتمل الخطأ والصواب أكثر، فإنه سيجد في ذلك أيضًا ما يريد. والكلام حول الرؤى والأحلام هو كلام له ذيول متنوعة، وكلامنا سيتركز على أصول هذا العلم، وعلاقته بكلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضًا علاقته بالفطرة البشرية وما غرسه الله جل وعلا في نفس الإنسان من قدرات، ووهب الإنسان من جملة المواهب التي تأخذ من منافذ الغيب والوحي.